منذ ستة اسابيع والمدينة الفلسطينية الجنوبية، يطا، تحت الحصار في أعقاب العملية في سارونه التي نفذها اثنان من بين 120 ألف شخص. القليل من الشوارع المشوشة وعشرات الطرق الترابية التي تؤدي اليها من الغرب وإلى القرى المجاورة، مغلقة، سواء بالصخور أو بالتراب أو الحفر العميقة. ولكن لأنه لا يمكن وقف حياة الناس بشكل كلي لفترات طويلة إلى هذا الحد، فان الفلسطينيين يتحركون بأشكال اخرى. فهم يسيرون على الاقدام على هوامش الشارع 317 الذي يخدم المستوطنات، ويعرضون حياتهم للخطر أمام السيارات السريعة، ويصلون إلى الحواجز، وينسابون بين الحجارة إلى خارج المنطقة المحاصرة، وهناك تنتظرهم سيارات خاصة من اجل نقلهم لقاء المال.
هم الذين يبلغ عددهم 2000 شخص يعيشون شرقي الشارع، تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. ولكن إسرائيل لا تقوم بتقديم الخدمات لهم. ومن غير خدمات مدينة يطا المخنوقة من الطرف الآخر، فإن حياتهم السيئة أصلا، أصبحت أكثر سوءاً. بين الفينة والأخرى يتم اقتحام طريق ترابي مغلق، وعندها تسير السيارات وتقترب من الفتحة للمرور منها قبل أن يأتي الجيش ويقوم بإغلاقها. في هذه اللحظة يبدو الأمر مثل ساحة للسيارات الكهربائية في مدينة الملاهي، حيث أن باقي الاماكن لا تظهر للعيان.
في الوقت الحالي تستمر الحركة كالعادة على شارع 317. واذا كان المسافرون من اليهود فإنه يمكنهم الوصول إلى الشارع المعبد إلى مناطق كرميل ومعون ومزرعة معون وافيغايل، حيث إن هذه المناطق موجودة في أعلى التلال ولها أحراش واسعة وحدائق منزلية. ايضا إلى كن الدجاج يوجد شارع معبد في كرميل يصل إليه وينتهي. أي، ما وراء ذلك لا توجد حياة جديرة، فقط تلال فارغة على طول البصر.
ورغم ذلك، من لا ينتبه لسيارته ويستمر في السفر في الطريق الترابي متوجها إلى الطريق الترابي المتفرع عنه إلى داخل الفراغ والوحدة، ولا يخشى من الصخور الكثيرة، يكتشف هناك حياة اخرى مفاجئة، انسانية وسياسية. ويكتشف أنه في هذه الأثناء التي يتم فيها سن قانون الجمعيات لوسم الجمعيات الإسرائيلية التي تحصل على الاموال «من دول اجنبية»، يكتشف أن السكان الفلسطينيين الذين يعيشون هنا رغم أنف حكومات إسرائيل، يتمسكون بأراضيهم بفضل دعم تلك الدول الاجنبية.
لا شك أن سياسة تلك الدول تناقض سياسة إسرائيل، بل وتعاديها. الادارة المدنية تقوم بإرسال الجيش لهدم المنازل والخيام ورياض الاطفال والمدارس. وهي ترفض شق الطرق الجديدة وتشوش على الطرق القائمة. وهي ترفض ربط السكان مع شبكة الكهرباء وشبكة المياه الإسرائيلية في الوقت الذي تتمتع فيه كل مستوطنة أو بؤرة استيطانية بذلك. ورغم أن هذه المنطقة تحت سيادة إسرائيل إلا أن كل روضة اطفال أو مدرسة أو عيادة أو المنازل توجد عليها لافتة زرقاء للاتحاد الاوروبي.
الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين لا يعرفون عن العنف الذي تمارسه دولتهم من اجل اسكان مواطنيها وطرد من يعيشون هناك منذ أجيال. ولا يعرفون ايضا اسهام المتطوعين والعاملين بتمويل دول اجنبية. إنهم لا يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا. ولكن جمعية إسرائيلية واحدة «رغابيم» تعمل كثيرا وتنجح ايضا في افشال عملهم. ويقومون بطرح ادعائهم أمام محكمة العدل العليا هو أن هناك «ظاهرة لا يمكن تحملها وهي تؤثر في جوهر وحجم ودور وسيادة القائد العسكري في يهودا والسامرة، ومكانة إسرائيل كدولة سيادية».
تعمل بعض الدول الاجنبية على «تشجيع الاخلال بالقانون والسيطرة الفلسطينية غير القانونية على الاراضي في المنطقة وتوسيع مناطق البناء غير القانوني في جبل الخليل».
المحكمة تقوم بنقاش دعاويهم، وقد قبلت بعضها وكأن جبل الخليل يعود لسيادة إسرائيلية، وكأن لإسرائيل ومواطنيها ومحاكمها الحق في تقرير مصيره ومصير سكانه البدو. وكأنه يوجد قانون يقضي بأن تعطي السلطة المحتلة الإذن لمئات مواطنيها لبناء منازلهم في منطقة محتلة. وعلى مرمى حجر من هذه البيوت يتم هدم منازل مئات أبناء الشعب الواقع تحت الاحتلال.
ورغم ذلك، هذا الادعاء له خطوات في النقاش الإسرائيلي الذي يتعلق بموضوع استمرار السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وقضية جبل الخليل تشكل هنا مجرد مثال.
النقاش الإسرائيلي يتعاطى مع التمويل وكأن مستقبل إسرائيل والفلسطينيين هو شأن داخلي يخضع للقوانين الإسرائيلية. وكأن سلطة الاحتلال الإسرائيلي لا تبني وتهدم هناك وتنشيء حقائق على الارض، خلافا للقانون الدولي. وكأن الانتخابات الديمقراطية في إسرائيل سارية المفعول قانونيا واخلاقيا على الاشخاص الذين تسيطر عليهم بقوة الاحتلال العسكري، وهم لا يشاركون في هذه الانتخابات أصلا.
يجب ايقاف هذا النقاش على قدميه. فنحو 2.5 مليون انسان غير إسرائيلي لا يمكنهم العيش طول حياتهم كأسرى في أيدي الناخب الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي.
منذ سنة 1967 لم تتخل حكومة إسرائيلية واحدة عن السيطرة والتوسع في الضفة الغربية. مصير المناطق المحتلة يجب أن يكون في أيدي المجتمع الدولي، وهذا موضوع مُلح، لا سيما في ظل السيطرة على الضفة الغربية لاعتبارات ايديولوجية صريحة للسلطة الإسرائيلية.
هآرتس 21/7/2016