ليطمئن لاجئو السويد… لا ترحيل في الأفق

اهتز العالم في الأيام والأسابيع الماضية بأخبار اللاجئين المتدفقين نحو البلدان الأوروبية. آخر الأخبار وأقواها تلك التي تحدثت عن اعتزام السويد ترحيل ثمانين ألف لاجئ لا تتوفر فيهم شروط اللجوء، وكذلك اعتزام النرويج تسفير عشرين ألفا آخرين، وبعدهما حديث النمسا (أمس) عن ترحيل خمسين ألفا.
السويد.. الدولة الجميلة الهادئة المتسامحة المنفتحة التي استقبلت مدينة واحدة فيها من اللاجئين العراقيين ـ والمسلمين ـ أكثر مما استقبلت الولايات المتحدة وكندا مجتمعتين، السويد تنقلب على مَن احتضنتهم وبعثت فيهم الأمل وتقرر طرد هذا العدد الضخم منهم.
قالت الحكومتان السويدية والنمساوية إنهما تحتاجان إلى أربع سنوات لترحيل آلاف اللاجئين المعنيين. وقالت ستوكهولم إن العدد الكبير يتطلب تخصيص رحلات غير نظامية من نوع تشارتر.
لكن.. ماذا لو كان الأمر كله غير دقيق أولاً، وغير قابل للتحقيق ثانيا، ولا خوف على اللاجئين (من الترحيل إن كان هو المشكلة) ثالثاً؟ وماذا لو كان الأمر كله مجرد مناورة لحسابات سياسية داخلية بسبب ضغوط اليمين المتشدد مثلا؟
في 1998، وبعد نحو سنة من وصول حزب العمال إلى الحكم في بريطانيا بعد قرابة العقدين من الهزائم، قررت حكومة توني بلير، وكبادرة طيبة منها، معالجة ملفات اللاجئين والمهاجرين التي كانت عالقة ومتراكمة وعددها لا يبعد كثيرا عن عدد المرشحين للترحيل من السويد، بتسويتها ومنح أصحابها إقامات دائمة أو مؤقتة وفق شروط غير معقدة.
من المفروض أن تسوية وضعية لاجئ أو مهاجر غير نظامي في بلد غربي أسهل بكثير من تنفيذ قرار ترحيله، لأن التسوية لا تطرح مشكلة أخلاقية ولا لوجيستية ولا قانونية، بل تمنح شرعية لأمر واقع ولصاحبها فرصة الاندماج في سوق العمل وفي المجتمع.
وعلى الرغم من ذلك، حلت سنة 2005 ولم تكن الحكومة البريطانية قد انتهت من تسوية وضعيات الناس.
في حالة السويد، ليس من الصعوبة الجزم بأنها لن ترحّل ربع العدد المأمول مهما طال الزمن، وأن الثمانين ألفا هم المرشحون للترحيل وليس الذين سيُرحّلون حتماً.
الترحيل عملية مضنية ومكلفة ماديا وسياسيا ولوجيستيا وأخلاقيا. قبل الوصول إليها يحق للمعنيين بالأمر من اللاجئين تقديم طعون إدارية وقضائية في قرارات ترحيلهم. ومسلسل الطعون في هذا النوع من القضايا عادة دقيق لا يحتمل الخلل في دولة تحترم القوانين والمؤسسات بدقة هائلة تمنع أي هامش للخطأ. وتلك عملية تستنزف الكثير من الجهد والوقت قد يمتد سنوات طويلة.
وإلى أن يستنفد المعنيون بالأمر كل مراحل الطعن والاستئناف تكون قد انقضت سنوات تتغيّر فيها حكومات وبرلمانات، وحتما سياسات.
والأهم تكون قد مرت سنوات طويلة كافية للمعافى أن يمرض وللقاصر أن يبلغ سن الرشد وللعزباء ان تتزوج وللمتزوج حديثا أن ينجب وللبطال أن يتوظف وللوحيد أن يُهرِّب عائلته أو أقاربه من بلاده نحو مغتربه.. إلخ. يعني أنه ستكون هناك أوضاع إنسانية جديدة تجعل تنفيذ عمليات الترحيل أكثر تعقيداً، لأن القاعدة هي أنه كلما طال المقام بإنسان في مكان أصبح إبعاده منه أكثر تعقيداً، والعكس صحيح.
هناك وجه ثان للموضوع لا يتعلق بالسويد وحدها، بل بالوجهة المقصودة التي يُفترض أن يُرحَّل إليها هؤلاء. في الحالة السورية يبدو من المستحيل اليوم أن يعاد 100 لاجئ إلى الداخل السوري اليوم، فما بالنا بعشرة آلاف أو عشرين ألفاً والبلاد مقسمة بين مناطق سيطرة نظام الأسد ومناطق سيطرة «داعش»، التي يُفترض (في الحالتين) أن اللاجئين هربوا منهما. ولا يبدو أن هناك دولة في الجوار ستقبل بأن تصدّر إليها السويد (أو غيرها) قوافل لاجئين لم تصدّق أنهم هجروها ذات يوم.
وإذا كان العالم غير واثق من مصير سوريا بعد ثلاثة أشهر من الآن، كيف لحكومة السويد أن تجزم بأنها ستكون بخير بعد أربع سنوات وقادرة على استقبال لاجئيها العائدين من السويد أو غيرها.
والحال ذاته ينطبق على دول أخرى مثل أثيوبيا وأفغانستان وإريتريا، وهي على رأس مصدري اللاجئين الهاربين من الحروب والنزاعات، تليها دول إفريقيا المصدرة للاجئي الأزمات والجفاف والكوارث الطبيعية.
في قائمة الدول المصدرة للاجئين هناك بلدان مرشحة للانقراض، وأخرى مقبلة على أوضاع أسوأ مما هي فيه. بل هناك دول معافاة اليوم مرشحة للانضمام إلى قوائم تصدير اللاجئين في زمن منظور.
مدرسة الحياة تقول: مَن خرج من بلاده لاجئا هاربا من جفاف أو من حرب أهلية، لن يعود، لا بإرادته ولا مجبراً (الحرب الأهلية الجزائرية التي هجّرت الآلاف بين 1992 و2000 انتهت قبل 16 عاما ونسبة العائدين من المنافي لا تكاد تُذكر. أما الذين خدمتهم الظروف ويمكنهم دخول البلاد فيقصدونها زائرين فقط لأن حياتهم «الجديدة» في «المنفى» تجذرت وأصبحت تحول بينهم وبين عودة كاملة ونهائية إلى الوطن).
العودة أسهل عند المهاجرين الاقتصاديين والمبتعثين للجامعات والمنتدبين للوظائف لأنهم يمتلكون ترف التحرر من الظروف الموضوعية وتعقيداتها.
أما أخبار الترحيل فنكتة تتسلى بها الصحافة والرأي العام المحلي والدولي، بينما الحقيقة هي مزيد من الحروب والأزمات والكوارث، ما يعني مزيدا من اللجوء والهجرة نحو المجتمعات الغربية، على رأسها السويدي.
قد يرحَّل 200 أو 300 في عملية دعائية تحيط بها الأضواء، ويكونون بمثابة كبش الفداء، ثم سرعان ما يُنسى الأمر وتستمر الحياة باللاجين في لجوئهم.
والأخبار بيننا!

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية