تحلّقَ مشاهدون حول التلفزيون لمشاهدة أخبار الساعة التاسعة ليلا، لكنهم فوجئوا بعدم وجود أية نشرة إخبارية، وإنما فقط إعادة لمسرحية كوميدية عُرضتْ أكثر من مرة.
حدث ذلك مساء الثلاثاء المنصرم، حيث أخلفت القناة المغربية موعدها اليومي مع المشاهدين، فعوّضت الأخبار بالكوميديا.
ظنّ البعض أن القناة الرسمية أرادت أن تروّح عن مشاهديها، بعدما اكتشفت أن الأخبار لن تحمل غالبا سوى النكد والمآسي، وفي مقدمتها الحرب على الإرهاب التي غطّت على الإرهاب الممارس من لدن الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين، بالإضافة إلى حرب الطرق التي تحصد عشرات الأرواح يوميا في بوادي المغرب ومدنه، بسبب تهور طائفة من السائقين من جهة، ورداءة العديد من الطرق من جهة أخرى، دون أن تفلح الوصلات التلفزيونية اليومية من كبح جماح السلوك الأرعن لأولئك السائقين.
وظنّ البعض الآخر أن الفكاهة صارت وسيلة للقائمين على التلفزيون، من أجل إيقاف هروب الكثيرين نحو استقاء الأخبار من المواقع الإخبارية المختلفة ومن شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية، لا يهمهم في ذلك أن تكون الأخبار صادقة أم مزيفة، المهم أنها تشبع فضولا عجزت عنه وسائل الإعلام التقليدية.
وظنّت فئة ثالثة أن تلك المسرحية الكوميدية، التي هي بمثابة وجبة «بايتة»، محاولة لحمل المشاهدين على نسيان نشرات الطقس اليومية التي تعقب كل نشرة إخبارية، ما دام الطقس في المغرب صار هذه الأيام سريالياً، تماما مثل السياسة الحكومية؛ حيث انطبقت عليه الطرفة التي ابتكرها بعض رواد «الفيسبوك» بقولهم: «نحن نعيش فصل الربيع، بمطر الشتاء، وبساعة الصيف الإضافية»!
وما دام بعض الظن إثماً، فقد صار المشاهدون الحيارى، يتنقلون، مساء الثلاثاء المنصرم، بين مختلف القنوات التلفزيونية العامة والمتخصصة لمعرفة سبب احتجاب النشرة الإخبارية وتعويضها بمسرحية كوميدية، إلى أن اهتدوا إلى السر العجيب: «خلال فترة النشرة، كانت تجري مباراة في كرة القدم بين المنتخب المغربي ومنتخب الرأس الأخضر بمدينة مراكش. وحيث إن التلفزيون المغربي لم يكن يملك حقوق نقل المباراة التي تجري في ملعب مغربي، فقد طبّق المثل القائل: (كم حاجة قضيناها بتركها)، فترك المباراة، وترك الأخبار، وترك المشاهدين غارقين في حيرتهم وشكوكهم»!
القنوات العمومية التي تحترم مشاهديها لا تخلف أبدا مواعيد نشرات الأخبار، لأنها بمثابة مواعيد «مقدسة». وفي الحالة المغربية، فإن الاستثناء الذي يمكن أن يقع هو فقط حينما يتعلق الأمر بنشاط ملكي رسمي، آنذاك من واجب القناة أن تنقله على الهواء وأن تقطع نشرة الأخبار، ما دام ذلك النشاط ـ في حد ذاته ـ خبرا يستحق المتابعة، وهو الخبر الأول الذي يحظى باهتمام المواطنين.
والقنوات التي تحترم مشاهديها تخبرهم ـ ولو عبر شريط إخباري ـ في حالة وجود طارئ قاهر يحول دون تقديم النشرة في موعدها المعتاد. أما أن يُترك المشاهد غارقا في حيرته وماسكا قلبه المرتجف، فإن الذهن قد ينصرف ـ لا قدر الله ـ إلى افتراضات سلبية يلعب فيها الوسواس الخناس دورا مغرضا.
رهائن كرة القدم
ليس كل الناس متابعين لأخبار كرة القدم، ولو تعلقت المسألة بالمنتخب القومي، فلماذا يُجعل التلفزيون رهينة لتلك اللعبة؟ الكثيرون لا يهمهم من برامج التلفزيون سوى الموعد الإخباري ونشرة الطقس، فهل من المعقول أن يُهضم هذا الحق المندرج ضمن مقتضيات الخدمة العمومية في الإعلام؟
مؤسف جدا أن تكون الشبكات البرامجية في المغرب خاضعة لمنطق كرة القدم، علماً بأن هذه اللعبة صارت لدى الكثيرين مقترنة بالعنف الممنهج الذي يتجاوز مدرجات الملاعب، ليشمل الشوارع والأزقة والمقاهي والسيارات الخاصة والحافلات العمومية، كما صارت كرة القدم مقترنة بالممارسات العدوانية التي قد تصل لحد القتل، مثلما حصل مؤخرا بين بعض مشجعي فريق كروي مغربي. ولم تنفع الاجتماعات الرسمية واللجان المتمخضة عنها من الحد من هذه الظاهرة التي تحولت معها الملاعب ومحيطها إلى ساحات حرب حقيقية تُستعمل فيها الأسلحة البيضاء بين مشجعي الفرق الرياضية، بعيداً عن أية روح أو أخلاق رياضية.
اللعب على الإثارة
من كثرة ولع بعض منتجي البرامج التلفزيونية الاجتماعية في المغرب بالإثارة ورغبتهم في استقطاب أكبر عدد من المشاهدين، صاروا يضربون عرض الحائط عددا من الشروط المهنية، وفي مقدمتها التوازن والحيادية، ذلك أنهم يمنحون الفرصة لأصحاب قصص اجتماعية معينة ليحكوا مشكلاتهم داخل وسطهم الاجتماعي، ويقدموا الموضوع من زاوية أحادية تغيب فيها الأطراف التي يرد ذكرها في الحكي؛ مع العلم أن صاحب أية مشكلة اجتماعية أو شخصية يجسد مقولة «الآخر هو الجحيم» بتعبير سارتر، حيث يُضفي كل الصفات السلبية على الآخر/ الغائب أو المغيب، ويجعله سبب معاناته ووضعه المأزوم، وهو أمر يستعصي التأكد من مدى صحته أو خطأه، في غياب الطرف المعني.
الإعلامي، مثل الحكَم أو القاضي، يعتبر أن القضية تحتمل أكثر من وجه؛ وليس فقط الوجه الذي يقدمه صاحب الشهادة. وبالتالي، فهو مطالب بالبحث عن الوجوه الأخرى.
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل