كتابة التاريخ تتخّذ اشكالاً وأساليب مختلفة، فمنها ما لا يتجاوز سرد الأحداث والوقائع والتواريخ المستندة إلى قراءة المراجع الموثوق بها، ومنها ما يعتمد تحليل الوقائع وربطها في مقاربات وتحليلات مفيدة للاستفادة مما حدث في الماضي، لتجنب حدوثه في الحاضر والمستقبل. وهناك مؤرخون يحاولون ربط هذين المنهجين بنجاح أو فشل.
كتاب ليلى طرزي – فواز الذي يتناول أحداث وأوضاع الشرق الأوسط في حقبة الحرب العالمية الأولى، وهو بعنوان «أرض القلوب المتألمة»، يعتبر أن الحرب العالمية الأولى رسمت مستقبل الشرق الأوسط لمئة سنة على الأقل منذ انطلاقها عام 1914 وانتهائها عام 1918.
وأبرز نتيجة لهذه الحرب، على الصعيد السياسي والاجتماعي، برأي الكاتبة، كانت تغذية الطائفية والإثنية في المنطقة، بعد أن كانت أقل تأثيرًا خلال حقبة سيطرة السلطنة العثمانية على ما أصبح بعد ذلك دول الشرق الأوسط.
تقول الكاتبة في مقدمة كتابها إنها تسعى ليس إلى سرد الأحداث فحسب، بل إلى مراجعة مذكرات وشهادات أشخاص عايشوا تلك الحقبة والمآسي التي مرت بها المنطقة آنذاك على الصعيد الإنساني، من مذابح إلى مجاعات إلى تنكيل وحشي بالخصوم، بالإضافة إلى النكث بالوعود إزاء الشعوب العربية من قبل المستعمرين.
وتؤكد طرزي- فواز أن الكثيرين جدا من السكان جاعوا خلال هذه الحرب، ومنهم الذين ماتوا جوعًا، فيما كدّست فئة قليلة من المنتفعين المتعاملين مع السلطة العثمانية الأموال التي كانت تُهدَر بسخاء أمام أعين السكان المعانين، الذين اضطر عدد ضخم منهم إلى الهجرة بحثا عن القوت في الخارج.
وتفسر طرزي- فواز رغبتها في تحقيق هذا الكتاب بأنها سعت بالدرجة الأولى إلى كتابة تاريخ سوريا الكبرى الاجتماعي خلال تلك المرحلة، الذي كان له الوقع الكبير على سياسات الشرق الأوسط في العقود التالية. ولذلك، فانها ترى ان الشخصيات التي عايشت تلك الفترة هي شخصيات بطولية يجدر إحياء اختباراتها المرّة.
السلطة العثمانية، في عهد السلطان عبد الحميد (الربع الأخير من القرن التاسع عشر)، حسب طرزي- فواز، رغم انها لم تشجع الصراعات الطائفية، فانها قَمَعَت حرية الرأي والصحافة، وبطشت بالأقليات الذين تعاطفوا مع خصومها من الدول الغربية (فرنسا وبريطانيا خصوصًا) ورفضت الليبرالية بجميع أشكالها واعتمدت بشكل رئيسي على جواسيسها المنتشرين بكثافة في سائر مناطق نفوذها، بالإضافة إلى تجاوزات جهازها الأمني، إذْ كان السلطان عبد الحميد يعتبر نفسه خليفة الإسلام الذي يحق له القيام بهذه الممارسات، علمًا بأن سلطته انهارت بعد سقوط نظامه أمام مجموعة «الشبان الاتراك» عام 1909، الذين أكملوا الممارسات القمعية للسلطة السابقة، خصوصا في سوريا الكبرى.
وقد هاجر، حسب المؤلفة حوالي ثلاثمئة وثلاثين ألف شخص تقريبا من المنطقة (سوريا الكبرى) بين عامي 1860 و1914. وفي مناطق عربية أخرى بعد ذلك.
وأدت الممارسات القمعية هذه إلى نشوب الثورة العربية بقيادة الشريف حسين في المناطق الخليجية العربية. معظم ما ورد أعلاه كان في الفصول الأولى من الكتاب، أما الفصول التالية وأحدها بعنوان «الإمبراطورية في حرب» فكان بعضها سرديًا ومفصلاً إلى أقصى الدرجات، وهناك من التفاصيل التي وردت فيها كان بالإمكان اختصارها. وهذا أمر عانى منه الكتاب عموما، إذ يورد الكثير من التفاصيل والاسماء في بعض فصوله التي ليس لها علاقة بالمقاربة العامة للكتاب، ومن دون التواصل مع هذه المقاربة في بعض الأحيان.
ويُلاحَظ الأمر نفسه في الفصل المخصّص للاختبارات الشخصية لأشخاص عايشوا تلك الحقبة، إذ تبالغ الكاتبة في ذكر تفاصيل نقلتها عن شخصيات ربما لا تستحق هذه المساحة في الكتاب، مع أنها تفعل ما يلزم في أحيان اخرى عندما تورد تفاصيل مهمة ذكرها أشخاص تعاملوا مع السلطة العثمانية، أو مع خصومها ومن المفيد معرفة شهاداتهم ورواياتهم عن تلك الحقبة.
وفي الفصل الثاني بعنوان «الإمبراطورية في حرب» تتناول طرزي- فواز دور الضابط البريطاني لورانس العرب في الثورة العربية وتعالج هذا الأمر بموضوعية، ذاكرة أن بعض المصادر تقلل من أهمية الدور الذي لعبه لورانس في هذه الثورة في الخليج والمنطقة، وتعطي اهمية أكبر لدور الشريف حسين وولديه فيصل وعبد الله في مساعدة القوات الحليفة على هزيمة السلطنة العثمانية والمانيا في الحرب العالمية الأولى. وبالتالي، فإن توجّه الكتاب عموما كان موضوعيًا وغير متزلفٍ للمراجع الاجنبية للتاريخ.
وفي الفصل الثالث «العيش في ظل الحرب الكبرى» تظهر الكاتبة إلمامها بقراءة المصادر الاولّية، من مذكرات وروايات منشورة وغير منشورة، وتؤكد انها باحثة من الدرجة الأولى، ولكنها تبالغ في عرض تفاصيل هنا، بعضها يدعم مقاربة الكتاب والبعض الآخر كان بالإمكان اختصاره أو حذفه. كما ان اختيارها للأشخاص الذين اوردت مذكراتهم يطرح بعض التساؤلات. ففي أحيان تورد اسماء معروفة ومفيدة للجميع، وفي مواقع اخرى تركّز على شخصيات ليست كذلك، وبالإمكان تقليص عرضها لهم. غير ان وصفها لتفاصيل المجاعة التي تعرّضت لها المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى والتي أصابت الجميع، باستثناء الطغمة المتحكمة بالسلطة وعملائها، فكان وصفًا شاملاً ومؤثرًا. واستندت فيه الكاتبة إلى مراجع أوليّة موثوق بها، وهنا تبرز مقدرتها الأكاديمية العالية.
ولعل ابرز مقاطع هذا الفصل، القسم الذي تناولت فيه طرزي- فواز المعاناة التي تعرض لها الشعب الأرمني على يد السلطة التركية في مطلع القرن الماضي، حيث تؤكد حدوث المذبحة التركية للأرمن في أيلول/ سبتمبر 1915 التي قضت على عشرات الآلاف من الأرمن، وعلى تنكيل الأتراك والأكراد بالأرمن الهاربين من طغيان قمع السلطة التركية. كما تؤكد طرزي- فواز شجاعة الشعب الأرمني وقدرته على التكيّف مع الصعوبات والعودة إلى الانتاجية حيثما حلّ في سوريا ولبنان وغيرهما. بينما اعتبرتهم السلطة التركية عملاء لروسيا، خصمها اللدود.
ومن الأمور اللافتة في الفصل الرابع ما ذكرته طرزي- فواز عن مدى التواطؤ بين بعض التجار السوريين واللبنانيين والسلطة التركية، وبينهم آل سرسق الذين بنوا القصور على حساب الشعب الجائع، عن طريق التلاعب في توافر القمح وأسعاره وغيرهم من العائلات التي تلاعبت بالكميّات المتوافرة من السكر وأسعاره بالتعاون مع الحاكم العسكري التركي للمنطقة جمال باشا. وهنا ايضا تظهر شجاعة طرزي- فواز في كشف الوقائع، كما حدثت بالفعل، من دون أي تحفظ إزاء إغضاب أي جهة، ربما ما زالت فاعلة في الساحة اللبنانية (كعائلة آل سلام مثلاً).
ومن اللافت، عرض طرزي- فواز لدور المتعاون اللبناني مع الفرنسيين بشارة بواري، خصوصا في المركز الذي أسّسه الفرنسيون في جزيرة آرواد القريبة من الشاطئين اللبناني والسوري. وقد استندت الكاتبة إلى مذكرات بواري نفسه، وكان هذا القسم من الكتاب شيّقًا للقراءة ومفيدًا.
وبما أنه ليس من الممكن عرض المزيد من التفاصيل عن هذا الكتاب الغني جدا في معلوماته المستقاة من المصادر الأولية، رغم بعض الإطالة في التفاصيل في أقسام منه، فان خلاصته وردت في المقطع الأول من فصله الأخير حيث تقول الكاتبة: «الحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى) انتهت عام 1918 ولكنها تركت إرثها المعقّد والمستمر على الشرق الأوسط وأوروبا. وهزيمة الإمبراطورية الوحيدة الباقية (السلطنة العثمانية) لم تساهم في نشوء وانتصار الفكر القومي والوطني (العربي او غيره) بل نشأت على اثرها مقاطعات نحتتها الدول المستعمرة في قالب دويلات تابعة للانتداب الأجنبي لاستمرار الهيمنة عليها من قبل البريطانيين والفرنسيين. وهناك صراعات ومعارك عديدة كان (وربما ما زال) من الضروري شنها قبل التخلص من الاستعمار الإمبريالي». وهنا يبرز التوجّه المناهض للتبعية للاستعمار في هذا الكتاب.
وتضيف طرزي- فواز في الفصل الختامي قائلة: «هناك حنين موجود حاليًا في المنطقة لدى البعض للعودة إلى أيام السلطة العثمانية، حيث وجدت بالفعل آنذاك التعددية القومية والدينية والإثنية. هذه السلطة، التي رغم محدودياتها الكثيرة سمحت بالتواصل بين شعوب المنطقة المنغلقة حاليا على نفسها في حدود قومية محدودة. إن الدول التي فرضتها الإمبراطوريات الكولونيالية (التي حلّت مكان السلطة العثمانية) قوّضت التنوعات الحضارية والهويات المختلفة للشعوب الموجودة في المنطقة، فيما كانت مثل هذه التنوعات أسهل وجودًا في السابق». وهذه الخلاصة، تتبعها طرزي- فواز بالقول: «للكثيرين في الشرق الأوسط فان الحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى) لم تحقق آمالهم وجعلت تضحياتهم عبثية وغير مُجدية. ففي معاهدات السلام التي تلت الحرب العالمية الأولى، قسمت القوى الكولونيالية المنتصرة المنطقة بطريقة تجاهلت الواقع الاجتماعي وأوجدت حدودًا مصطنعة، ما زالت تنشئ النزاعات والصراعات».
وهذه الخلاصة توضح إيجابيات الكتاب على حساب بعض سلبياته التقنية وتضعه في موقع الكتاب القيّم في صلابة مراجعه والمفيد لتجنب الأخطاء في المستقبل، مع إمكان تحسين أسلوبه في عرض واختصار بعض الوقائع.
Leila Tarazi Fawaz: A Land of Aching Hearts: The Middle East in the Great War.
Harvard University Press, 2014.
416 p.
سمير ناصيف