■ لم ينشأ عمر متين الأمريكي الذي نفذ عملية الملهى في أولاندو في بيئة إسلامية سلفية، وكذلك العروسي الفرنسي لم ينشأ في مدن متدينة في الشرق الاوسط، بل في العاصمة باريس.
وهما كعشرات الانتحاريين ومنفذي الهجمات من مترو لندن قبل عشر سنوات لهجموم الصحيفة الفرنسية لعملية تكساس، لم يندمجوا كليا، على ما يبدو، في المحيط الغربي، وظلوا أكثر استعدادا لتقبل أفكار متشددة مقبلة من ثقافات بلدانهم الاصلية، الاسلامية.
لكن إن كانت الميول الدينية الاصولية تنتشر في بلدان العالم الاسلامي، وتتغذى على أحداث النزاعات والحروب الطاحنة، فلماذا تجد هذه الطروحات صدى لدى سكان بلدان مستقرة، يفترض أن ابناءها يحظون بقدر من المساواة مع السكان الاصليين؟ ربما تحتاج الإجابة على هذه التساؤلات لبحوث مفصلة، لكن يبدو من الواضح ان هناك قدرا من التمييز يشعر به هؤلاء في البلدان الغربية، يؤدي إلى إيقاظ العنصر المستهدف بالتمييز ضمن هويتهم، المتمثل في انتمائهم الديني. فما اعتدنا على تسميته بـ»الانتماءات الكامنة»، تبقى مترسخة في أعماق هذه المجتمعات، وتجعلهم اكثر استعدادا من غيرهم للتماهي مع أفكار وطروحات أصولية متصلة بانتماءاتهم العقدية او العرقية الاصلية، وتبرز أكثر فاكثر كلما تعرضت للتجريح دون غيرها.
وهكذا فإن العقود الطويلة التي قضتها هذه الأجيال في البلدان الغربية، لم تنته بهم، على ما يبدو، لاندماج حقيقي بل اوصلت بعضهم لشعور بالظلم والتمييز، كما يحصل مع الفرنسيين من أصول مغاربية في ضواحي باريس وبلجيكا، الذين تعتبر مناطقهم معضلة ازمات اجتماعية داخلية في اوروبا، وباتت منتجا اساسيا وممولا رئيسيا لعناصر التنظيمات الاصولية، بل وصل الامر بوزير الداخلية البلجيكي القول عقب العمليات التي شهدتها بلجيكا إن «سياسة دمج الأجانب في بلجيكا باءت بالفشل، بدليل واضح وهو أن جزءا مهما من المجتمع المسلم احتفل إثر الاعتداءات». لا يعنينا كثيرا اعتذاره عن تصريحاته لاحقا، وتقليصها على جزء من المجتمع المسلم لاحقا واشادته بباقي المسلمين، فنحن نتحدث فعلا عن جزء من المجتمع المسلم وليس كله، ولكن تصريحاته ليس استثناء في الآونة الاخيرة، فقد ظهر مسؤولون أوروبيون في سلوفاكيا والنمسا وتشيكيا يقولون علنا إنهم سيستقبلون لاجئين مسيحيين فقط من سوريا، وأن «لا مكان للاسلام في بلدانهم».
وليس ما يقوله ترامب شاذا تماما، فآراؤه تمثل شريحة واسعة من المجتمع الامريكي، وإن لم تكن أغلبية، وهي مواقف تصب كلها في إطار التصريح العلني بالفجوة وفشل حقيقي في الاندماج لجزء ليس بقليل من السكان المسلمين، لم يكن خافيا على المطلعين على أوضاع السكان الأوروبيين والامريكيين من أصول عربية او إسلامية، لكن التصريح بهذا الشكل العلني بوجود اشكاليات في التعايش مع السكان المسلمين لم يكن معتادا، ربما قبل احداث السنوات الاخيرة، وهو يؤكد مجددا أن الظاهرة الأصولية ليست مرتبطة بالتفكير الديني المجرد، بل مرتبطة بظروف التعايش المحلية ونزاعات اينما وجدت فإنها ستثير اسئلة الهوية وتغذي الشعور بالاختلاف وربما العداء مع الآخر، وصولا لمرحلة إنتاج اشخاص مهيئين لقتل من عاشوا بين ظهرانيهم لعقود، قبل ان يكون للكتب والتنظيرات الدينية الغائرة في القدم زمانا ومكانا، اثر في تطرفهم، بل تصبح تعبيرا لاحقا عن الغضب الناشئ لاسباب محلية لها عناصرها المرتبطة بهذا الزمان وهذا المكان.
٭ كاتب فلسطيني من اسرة «القدس العربي»
وائل عصام