مأزق ترجمة الشعر : أدونيس مترجماً لقصائد سان ـ جون بيرس

حجم الخط
1

عموماً، يطرح الجدال حول ترجمة الشعر إشكاليتين كبيرتين، تتعلق أولاهما بمدى قابلية الشعر للنقل من لغة لأخرى وتمس ثانيهما الصعوبات التي تفرضها ترجمة الشعر دون النثر. بالنسبة للإشكالية الأولى، ينقسم المنظرون وأهل الصنعة إلى فريقين رئيسين، يرى الأول في الشعر إعجازاً، ويبني على تصوره هذا فرضيته القائلة باستحالة ترجمة الشعر، من دون أن يفقد ميزاته الأساسية التي له في لغته الأصل. أما الفريق الثاني فيميل إلى قبول ترجمة الشعر وإن أثّرت الترجمة سلباً على ثوابت النص الشعري وماهيته وأبعاده عند نقله إلى لغة أخرى. أنا أرى جواز ترجمة الشعر مع إقراري بأن نقل هذا النوع من الفن يفرض تحديات نوعية قد لا يستطيع تجاوزها كل المترجمين الأدبيين. تبدأ هذه العوائق بصعوبة نسخ البنى الصوتية لمفردات اللغة المصدر، ومشقة إيجاد مكافئات لها في اللغة الهدف، ولا تنتهي عند إمكانية نقل الإيقاع والإحساس والنسق الموسيقي.

ترجمة شعر سان ـ جون بيرس إلى العربية

إعادة الراهنية إلى قضية ترجمة سان ـ جون بيرس إلى العربية ضرورة، ذلك أننا لا نكاد نعرف شيئاً كثيراً عن تلك الترجمات ولا ظروف إنتاجها ولا سبب وجودها ولا طبيعة تلقيها، حيث نفتقد إلى دراسة شاملة تتناول بالتحليل آلية استقبال ترجمات شعر بيرس من قبل القارئ العربي وتحدد أي نتاجات كانت قد ترجمت من شعره، وأي ترجمة سبقت الأخرى وتتطرق إلى مترجمي تلك الأعمال وقيمة ترجماتهم من الناحية الفنية وتشرح أثر منح بيرس جائزة نوبل على ترجمة أشعاره، وتدرس الكيفية التي ساعدت بها المقالات المنشورة عن الشاعر ونتاجه في فهم ذلك النتاج، وتتطرق إلى طبيعة حضور سان ـ جون بيرس في عالمنا العربي المعاصر. لا بد من الإشارة أولاً إلى أن ترجمة بيرس إلى العربية مغامرة غير محمودة العواقب، ذلك أن شعره صعب ولا يستجيب بيسر للترجمة، وأنا هنا أخالف آلان بوسكيه الذي كان يظن أن شعر بيرس عالمي وقابل، بالتالي، لأن يترجم إلى كل اللغات.
أول صعوبات نقل قصائد بيرس تتمثل في استيعاب وفهم النص البيرسي، بما يشتمل عليه من تضمينات معقدة وتجريب طليعي ناهيك عن أن المفردة البيرسية في حد ذاتها تطرح مشاكل كثيرة، حيث أنها تمتاز بتذوق الاشتقاقات بالمقدار نفسه الذي تتذوق فيه الدقة العلمية. يولِّد هذا المزاج اللغوي الخاص مشاكل مفرداتية ونحوية تعقِّد مهمة الترجمة إلى العربية، لما بين اللغتين من تباين شاسع على مستوى التركيب اللفظي والنظام النحوي الذي يتحكم بتركيبة الجملة وإنتاج المعنى. تتولد عن هذا التباين صعوبات تمس التقاط المقصد وتؤثر، بالتالي، في فهم مشروع النص وغاية الكتابة لدى المؤلف. أضف إلى ذلك أن شعر بيرس موسوعي ليس فقط من ناحية المفردة، بل من جهة الموضوعات والأجواء التي يضع في داخلها قصائده، وإن كان الشاعر يحتاط من الفانتازي الذي لا يحده حد ويقدم على النقيض من ذلك عناصر حقيقية لكنه يقدمها بطريقة إيحائية وغامضة لا تيسر دوماً النفاذ إلى المعنى. بسبب ما ذُكر آنفاً تكون ترجمة بيرس، في المقام الأول، رحلةً في عالم المعاني واستقصاء لها، باعتباره تلميذاً لمالارميه، كان بيرس يكتفي بالإيحاء ويقتصد حتى في التكرار ولا يسلم سوى تفاصيل منتقاة تبعث الحيرة عند قارئه وترجئ الفهم وتعيق، بتعمد، سير القراءة. فضلاً على كل ما سبق، هناك عوامل خارجية تخص ترجمة النصوص الأدبية عموماً يعرفها المطلعون، نضيف إليها عاملاً حاسماً ومؤثراً يتمثل بمقاومة النص الأصلي، أي نص، لأن يترك نفسه لقياد لغة أخرى، ناهيك عن مقاومة لغة الاستقبال للتآلف مع فضاء لغوي وثقافي جديد. بحسب ظني القاصر وبحكم خبرتي المتواضعة في مجال الترجمة الأدبية ولكوني مطلعاً على نصوص بيرس باللغة الفرنسية، أستطيع القول إن هذا العامل الأخير المتمثل في مقاومة النص الأصلي وتمنّع لغة الهدف يمثل أكبر عائق يواجهه المترجم عند ترجمته لشعر سان جون بيرس إلى العربية.

أدونيس مترجماً لشعر بيرس

إذا استثنينا الترجمات المتفرقة التي نشرتها المجلات والصحف العربية لبعض قصائد الشاعر، فإن أول ترجمة نقلت نتاج سان- جون بيرس الشعري إلى العربية تمت على يد أدونيس سنة 1976. لهذه الترجمة أهمية قصوى لأنها الأولى من نوعها مما سيجعل لها تأثيراً استثنائياً على تلقي الشاعر الفرنسي في المشرق العربي في أقل تقدير، كون الجمهور النخبوي في المغرب العربي يعرف اللغة الفرنسية وليس في حاجة لانتظار الترجمة كي يقرأ سان- جون بيرس. أول ما يلاحظ على ترجمة أدونيس خلوها من مقدمة تشير إلى مشروع المترجم وغايته من ترجمة الأشعار والصعوبات والمعوقات التي كان قد لاقاها أثناء الترجمة والطرق التي استعملها لتجاوزها وتذليلها. جرت العادة على أن يكتب المترجمون مقدمات يسوغون فيها اختياراتهم ويشيِّدون خلالها المبادئ التي تبرر ما أقرّوه من حلول للمشاكل التي اعترضتهم أثناء العمل.لا نقول هنا إن المقدمة شرط واجب لكنها عنصر مهم يمثل، من وجهة نظر الاستقبال والتلقي في الأقل، مرتكزاً لعقد القراءة الضمني بين المترجم وقارئه تتحدد على أساسه الطريقة التي سوف يتفاعل بحسبها القارئ مع النص، وتسلط الضوء على الأسباب الذاتية والموضوعية التي دفعت المترجم لاختيار هذا الشاعر دون غيره. قد تصبح الترجمة بلا جدوى عند غياب ميثاق القراءة بين المترجم والقارئ. الملاحظة الثانية أن الترجمة تمت إلى لغة لا يعرفها سان ـ جون بيرس مما افقدها مزيّة صارت للغات أخرى تُرجم إليها نتاج الشاعر كان هذا الأخير على معرفة جيدة بها كالإنكليزية والإسبانية مثلاً ومراجعاته لترجمة أليوت لشعره معروفة. ما أريد قوله هنا أن الكمال النسبي الذي كان لبعض ترجمات بيرس إلى اللغات الأجنبية لم يكن الفضل فيه للمترجم وحده، بل لبيرس أيضاً حيث كان يتعاون مع مترجميه أثناء عملية الترجمة، مجيبا على أسئلتهم، مقدما اقتراحاته ومجرياً تصحيحات كثيرة على النسخ التي كانت ترسل إليه.
واضح مما سبق أن أدونيس تحمل لوحده مسؤولية تأويل وتفسير أشعار بيرس دون أن يتلقى مساعدة منه. هنا تأتي أهمية المقدمة التي لو كان أدونيس قد كتبها لاستشف منها ناقد الترجمة أموراً مهمة. لست أسعى، في ما تقدم، إلى القول بلزوم التواصل مع مؤلف النص الأصلي لإنجاز ترجمة جيدة فهذا الأمر ليس إيجابياً دوماً. ما أنشده هو لفت الانتباه إلى الجهد الكبير الذي أحسب أن أدونيس بذله في سبيل نقل أشعار بيرس إلى العربية وهو جهد يفوق، حتماً، ما بذله مترجمو قصائد الشاعر الفرنسي إلى لغات كان يتقنها هذا الأخير. الملاحظة الثالثة التي أرغب في تثبيتها بخصوص ترجمة أدونيس لبيرس هي أن الترجمة تمت بعد فوز الأخير بجائزة نوبل للآداب، ما أثر إيجاباً في نوعية التلقي الذي حصلت عليه. تفسير هذا أن منح الجائزة الأدبية الأرفع في العالم إلى الشاعر الفرنسي ساهم إلى حد بعيد، وهذه مسألة عامة تكاد تنطبق على كل أديب يفوز بجائزة عالمية، بالترويج لترجمة أدونيس وإقبال المثقفين والقراء العاديين على مطالعتها، بدون أن يلتفت النقد الترجمي إلى مناقشتها ودراستها. فضلاً عن هذا، ساهم نشر الترجمة سنوات السبعينيات في الدعاية لها بشكل كبير، حيث أنها أعادت إلى الواجهة النقاش حول التجريب، إذ وجدت النخبة العربية السبعينية في شعر بيرس المترجم منافذ جديدة للكتابة الشعرية وآفاقا أرحب للقصيدة الحداثوية.
لن نحاول هنا إعادة تفعيل اللغط الكبير الذي أثارته ترجمة أدونيس لشعر بيرس، لاسيما بعد أن كتب عنها علي اللواتي وغيره في أكثر من مناسبة، بل سنعمد إلى مراجعة سريعة لتلك الترجمة في ضوء التأويلية المعاصرة بشكلها المتزن الذي أفرزه بول ريكور وعززه ياوس، ما سيسمح لنا بإيضاح تجربة أدونيس كمترجم وقارئ لشعر بيرس. تنظر التأويلية المعاصرة إلى الترجمة على أنها- قبل أن تكون فعلاً لغوياً بحتاً- مقترب نقدي يتضمن إعادة بناء عالم القصيدة أثناء الترجمة. لا يمكننا أن نختلف اليوم، خصوصاً بعد أن تغيرت النظرة إلى الترجمة، على استحالة إسقاط الجانب النقدي من العمل الترجمي الذي لم يعد، بحسب هذا المفهوم، وعياً تقليدياً بالظواهر اللغوية فقط، بل صار يتعدى ذلك إلى خطاب علمي يصوغ مقولاته النقدية بوعي منهجي وإدراك لتطور المفاهيم الإجرائية ذات العلاقة بالترجمة وآليات اشتغالها. هذا الرأي يمـــــيل اليه انطوان بيرمان الذي يؤكد على أن فعل الترجمة مظهر نقدي وأن الترجمة عندما يجعل منها نجاحها أثراً يساوي الأصل فإنها تختلط بالنقد نفسه.
إذا تضمنت الترجمة نظرة نقدية، تحليلية أصبحت، بالضرورة، خطاباً على خطاب وهنا لن تعود القصيدة سبباً للترجمة، بل نتيجة لها لأنها (أعني الترجمة) هي التي تقدم القصيدة بشكلها الجديد، وهي التي تمنحها حياة أخرى غير تلك التي كانت لها في لغة المصدر. بهذا الوصف الذي تنمحي فيه الحدود بين النص المترجم والنص الأصل وتلغى فيه المسافة بين المترجم والمؤلف، تصير الترجمة نشاطاً كتابياً مستقلاً يقترب في ممارساته من حدود كتابة الشعر ذاتها وينطوي على «رؤية للعالم» للمترجم كل المشروعية في أن يتبناها ويدافع عنها، حاله في ذلك حال المؤلف. من هذه النظرة التي تحفظ للترجمة كل هويتها وتشرعن لها الحق في تملّك النص الأصل وإعادة صياغته وفق سياقات ثقافة اللغة الهدف وطبيعة تركيبة أنساقها النحوية والبلاغية والمعجمية وتبعدها عن أن تبقى ظلاً وصدىً ضعيفاً للأثر الذي تترجمه وتجعل من الترجمات مؤلفاتٍ حقيقيةً تهيمن على المنبع وتساويه، بل وتتفوق عليه، تستمد ترجمة أدونيس لأشعار سان- جون بيرس مشروعيتها ومسوغات وجودها وتتلمس لنفسها العذر في الإسراف في التأويل وإعادة الكتابة. بحسب ظني هناك وجه آخر يمكن له أن يبرر المنهج الذي سلكه أدونيس في ترجمته لبيرس. إذا كانت الترجمة مؤشراً يعكس رؤية المترجم للعالم، فإنها، من باب أولى، مشروعٌ رومانسي ينطوي، بالتلازم، على بحث عن الذات بالمقدار نفسه الذي تكون فيه تفكيراً في المعنى وتأويلاً لظواهره وقراءة في دلالاته. وفق هذه الرؤية الرومانسية تستحيل الترجمة إلى تعبير عن مكنونات الذات الخاصة للمترجم قبل أن تكون تجسيداً لذات المؤلف. من هذه الزاوية، تمتلك الترجمة خاصية أحسبها من أكثر خواصها كشفاً لحقيقتها ودلالة على جوهرها تتمثل بأن فعلها (أعني فعل الترجمة) يسمح بالولوج إلى الذات، وإنْ كان هذا الولوج يتجلى بأشكال متفاوتة من مترجم لآخر. المهم انه لحظة تحقق ذلك الولوج، يتحول النص من كلام قيل على لسان المؤلف إلى ملفوظ يجري على (لسان) المترجم. عندها لن يعود مهماً منْ كتب النص أولاً. لا ننسى أن الفعل «ترجم» يعني، من بين معان عدة في اللغة اللاتينية، تملُّك كلام الغير. أقول ما تقدم لا بنيِّة الدفاع عن ترجمة أدونيس لشعر بيرس إذ تبقى لدي عليها ملاحظات ليس هذا أوان التصريح بها، بل بهدف الانتصار لمبدأ حق المترجم في أن ينصهر كليةً في النص الذي يترجمه وأن يصنع «حدثه» الخاص عبر الترجمة ويؤسس عالمه المستقل ويحيا لحظة إبداعه، حتى إنْ وصفت ترجمته بـ»الخائنة الجميلة» فالترجمات التي تدعي الإخلاص للنص الأصلي ليست هي دائماً أفضل الترجمات.
٭ كاتب من المغرب

مأزق ترجمة الشعر : أدونيس مترجماً لقصائد سان ـ جون بيرس

حسن سرحان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية