عندما بدأ الاستعمار التقليدي، كما نعرفه نحن الذين عايشناه، وكما يعرفه جيل هذه الأيام من كتب التاريخ، حتى وقبل اكتشاف «الامبريالية»…عندما بدأ هذا الاستعمار يلفُّ ذنَبه، ويلوي رقبته، ويرحل عن مستعمراته، ليتابع في بلده بناء دولته الوطنية وتطويرها، جاءت الحركة الصهيونية لتحشد يهود أوروبا، أساسا، لإقامة مستعمرتها «إسرائيل». هذه هي مأساة الحركة الصهيونية.
بدأ مسلسل زوال الاستعمار في مطلع القرن العشرين، وانتهى في منتصف ذلك القرن، متزامنا مع قيام إسرائيل.
وعندما بدأت «الدولة الوطنية» كما نعرفها نحن الذين عايشناها، وكما يعرفها جيل هذه الأيام من خلال تجاوزها، وعدم الإكتراث بها، حتى لا نقول الاستهتار بها، محققا بناء التكتلات الاقتصادية والسياسية، ومسرعا نحو «العولمة» تجيء الحركة الوطنية الفلسطينية لتحشد شعبها لإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية. هذه هي مأساة الحركة الوطنية الفلسطينية.
وكان مسلسل التقدم نحو التكتلات الكبرى، ولاحقا العولمة، قد بدأ مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، على عتبة منتصف القرن العشرين، وانتهى متحققا إلى حد كبير، مع انتهاء ذلك القرن، مع اقتراب الفلسطينيين من تحقيق حلم الدولة الوطنية.
إلا ان الحركة الصهيونية التي عاصرت زمانها وعرفت خباياه، أتقنت بناء تحالفاتها، وأنجزت ما وضعته لنفسها من أهداف، متمثلة في «إقامة دولة على إي شبر يتم تحريره أو جلاء الانتداب البريطاني عنه». وهذا ما أعلنه دافيد بن غوريون عشية الخامس عشر من ايار/مايو عام 1948.
وفي حين استفادت الحركة الصهيونية من تحالفها مع المعسكر المنتصر في الحرب العالمية الثانية، ومن دحر النازية الألمانية والفاشستية بكل تجلياتها واسمائها، فان الحركة القومية العربية، والحركة الوطنية الفلسطينية، تكبدتا ثمن تحالف بعضهم مع النازية والمعسكر المهزوم، وثمن وقوف بعضهم على الحياد، وعدم فهم واستيعاب البعض الآخر المستجدات وما يترتب على ذلك من حقائق. هكذا قامت إسرائيل، وضاعت فلسطين.
كل هذا أصبح الآن تاريخا، لا مجال لتغييره. إلا ان هذا التاريخ درس الزامي، يجب على كل من يسعى إلى كتابة مستقبل لشعبه، مستهدفا إزالة ما حواه من غبن وظلم وإجحاف، أو تقليل ذلك على الأقل، ان يستوعبه ويهضمه ويستخلص ما فيه من عبر.
وإذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، قد حددت لنفسها هدف إعادة فلسطين إلى الخــــريطة الســــياسية، وقد نجحت في ذلك تماما، وإعادة فلسطين إلى الخريطــة الجغرافية، وقد نجحت في ذلك جزئيا حتى الآن، فان كل هذا لم يعد كافيا.
ذلك ان الفلسطينيين، خارج أرض فلسطين وداخلها، والجيل الصاعد منهم على وجه الخصوص، يرى ويتابع لحظة بلحظة، ما يدور في عالم اليوم، ولم تعد تلبي طموحاته ان تكون له دولة، مجرد دولة ومجرد علم ونشيد وطني ورئيس وبرلمان. فلدولة الصومال، مثلا، كل هذا وأكثر.
ما ينشده الفلسطينيون هو دولة عصرية. دولة جاذبة، لا دولة طاردة لمواطنيها. وللاقتراب من هذا الهدف وتحقيقه بشائر ومقدمات وعلامات، لم يظهر منها أي شيء حتى الآن. والأسوأ من ذلك ما نراه ونعيشه من واقع محزن، على مدى نحو عقدين من زمن وجب أصلا ان يكون حافلا بالعمل الجدي، لضمان حاضر ومستقبل الفلسطينيين.
فالواقع المزري في الضفة الغربية، على جميع الأصعدة دون استثناء، لا يوحي بأي خير. والواقع الأسوأ بما لا يقاس في قطاع غزة المنكوب، ويعاني من كوارث أكثر من احتلال واحد، ومن حصارات لا حصار واحد، يطبق واحدها على حدود البر والبحر والسماء، ويقتحم الآخر حدود غرفة المعيشة والصالون وغرفة النوم. انه يحدد للفرد ما يرتدي من ملابس، وما يأكل وما يشرب. احتلال للأرض وما عليها، واحتلال للروح لا يقل إيلاما، بل يكمل الأول ويزيد عليه.
ولا تنتهي مأساة الفلسطينيين، في داخل الداخل، ( مناطق الـ 48 )، وفي الداخل، (مناطق الـ 67 )، وفي المهاجر ودول اللجوء، عند هذا الحد، بل يتعداه. إذ حتى عندما نصل إلى تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية (!!!)، فان وضع حجر الأساس لمستقبل معقول ومقبول، فقط لاغير، يستدعي البحث عن تحالفات اقليمية، أولها اتحادات وتكتلات مع دول الجوار العربي، الذي تعاني دوله هو الآخر، من آلام ومآسي العيش في خضم أمواج عاتية لبحر من التخلف والدماء والدمار. وكل ذلك على أمل التقدم واللحاق بعصر العولمة الذي تُطحن فيه كل دولة لا تحتاط بتأمين درع من عناصر القوة يحمي حاضرها ويضمن مستقبلها.
هل بين شاغلي المراتب العليا في الهرم الفلسطيني مسؤول يشكل حال الفلسطينيين وواقع قضيتهم همّه الأول؟ وهل هناك فعلا جوعان صادق مستعد لان يعض بأسنانه، وينشب أظفاره، لتحقيق هدف إقامة دولة عصرية قابلة للحياة والتطور؟
في هذه الأيام التي ينتظر الفلسطينيون فيها انعقاد مجلسهم الوطني، في دورة عادية إذا اكتمل النِّصاب، أو دورة غير عادية إذا لم يكتمل، ينفتح من جديد باب أمل ان يتقدم الصفوف من يعلّق الجرس، ويرسم للشعب الفلسطيني طريق الخلاص مما نحن فيه.
لقد حققت الحركة الصهيونية ما حددته لنفسها من أهداف، لكنها لم تأت لليهــــود الذين أقامت بهم دولتها بالإطمئنان، حيث كشف استطلاع للرأي ان 18٪ من الإسرائيليين يحرصون حتى الآن، وبعد 67 سنة على إعلان إقامة إسرائيل، على وضع المسدس تحت وسادتهم… وللأمر دلالات في غاية الوضوح.
على الجانب الآخر، حقق الفلسطينيون بعضا من أهدافهم، إلا ان هدفهم الأساسي باقامة دولتهم لم يتحقق عمليا على الأرض. وهو، حتى من قبل ان يتحقق، لم يعد كافيا.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور