لحكومة اسرائيل هناك عدد معين من العمليات والقتلى يمكنها أن تحتمله. لها، للحكومة، عدد معين من الجنازات يمكنها أن تتعايش معه. لها، لهذه الحكومة، ما يكفي من الهواء كي تتعايش مع بضعة ايام من قصر النفس. وللجمهور الاسرائيلي حجم من الموت يمكنه أن يحتويه، اعتاد عليه، ويقبل به بصفته قدرا من السماء وكأمر لا مفر منه.
وإلا ما كان هذا ليحتمل. لا يحتمل أن على مدى اشهر تدور رحى انتفاضة ثالثة وأحد لا يفعل شيئا. على مدى اشهر يتجول في الشوارع منفذو العمليات، اطفال وشبان يحملون السكاكين والبنادق، يستهدفون أرواح اليهود. يزرعون الخوف، يقضمون من نمط الحياة العادي، تحركهم الكراهية والاحساس بالثأر.
الكل يفهم ماذا يقف خلف هذه الاعمال. حكومة اسرائيل ستتحدث دوما عن التحريض، ولكنها لن تتحدث أبدا عن اليأس. ستتهم أبو مازن، هنية، التلفزيون الفلسطيني وستروي قصصا عن أنه فقط لو أنها توثق الاغلاق أو تلغي تصاريح الدخول، فان هذا سيختفي. ولكن أيا من الاعمال من النوع الذي أعلنت عنه حكومة اسرائيل في أعقاب العملية في نطاق شارونه في تل ابيب، لن يوقف حتى ولا منفذ واحد لعملية.
هل يصدق أحد ما بأن منع زيارات العائلات في اسرائيل في زمن رمضان يُضعف دافع شخص ما لتنفيذ عملية؟ هل يعتقد أحد ما حقا بأن منع الصلاة في الحرم يدفع الشاب الفلسطيني إلى التفكير مرتين قبل خروجه من البيت حاملا سكينا؟ فالجميع، بمن فيهم مؤيدو ليبرمان ونتنياهو وبينيت، يفهمون بأن هذه خطوات تجميلية. الكل يفهم بأن ليس للحكومة الحالية رد على إرهاب الافراد أو المجموعات المحلية، وأن ما جرى عمله، هو فقط لأنه ينبغي عمل شيء.
ولكن نتنياهو ووزراءه يعرفون اسرائيل والاسرائيليين. وهم على علم لما يبدي الجمهور استعداده وقدرته على أن يعيش معه باسم انعدام السياسة والقرار، ما العمل الآن، كي لا تتدهور الامور في السنوات القادمة. وهم يفهمون بأن طعنا هنا وطعنا هناك أو حدثا ناريا مع اربعة قتلى ليس هذا ما يمكن له أن يدفع الاسرائيليين إلى الخروج للشوارع أو هز استقرار الحكومة. والآن، وبعد أن صار ليبرمان جزء من الائتلاف، فلا يوجد حتى من يهاجمه من اليمين، وبالتالي يمكنهم أن يناموا مطمئنين على الاطلاق.
عندما تكون عملية في المناطق، وعندما يقتل مستوطنون، لا سمح الله، فان الحكومة تُقر 100 وحدة سكن اخرى فتشتري هدوء نسبيا. وعندما تكون عملية في تل ابيب لا تكون حتى حاجة لتعويض أحد عن الدم المسفوك. فلن يطلب أي تل ابيبي تطبيق خطة 38 على كل مباني المدينة في اعقاب العملية الاخيرة.
وبالتالي لا حاجة على الاطلاق لسياسة ما وقرار في ما ينبغي عمله مع الفلسطينيين. كل شيء يدخل في اطار الحزن، الألم وانعدام الوسيلة التي تبدي هذه الحكومة الاستعداد له وأنها تعرف بأن الجمهور ايضا يمكنه أن يتعايش معه.
طالما كانت حكومة اسرائيل تشعر بنفسها على ارض واثقة فانها لن تفعل شيئا. وهي سترفض كل المبادرات الدولية بايماءة يد، وتعقد الكابنت باحتفالية كي تخرج بقرارات ليس لها أي معنى، وتتحرك على المدى الذي بين التصريحات العابثة لهدم منزل المخرب. وفي الحد الاقصى ستهاجم غزة من الجو حتى وإن كان المخربون جاءوا من قرية يطا التي في الخليل. أما القيام بعمل سياسي، عمل يلمس جذور النزاع ويتطلب دفع ثمن ايضا، فان هذا لن يحصل.
تعرف حكومة اسرائيل بأنه ستكون عمليات اخرى وهي تأخذ هذا في الحسبان. من ناحيتها، طالما يدور الحديث عن عدد مقبول من المصابين، عن احساس جماهيري بأن هذا هو الموجود، فانه أفضل من أي محاولة لخلق مسيرة سياسية. فالمحاولة الاصغر للشروع في مفاوضات ستمس الحكومة بقدر اكبر بكثير من أي عملية، مهما كانت مؤلمة وفظيعة. نتنياهو ووزراؤه يفهمون هذه المعادلة على نحو ممتاز، وهذه مأساتنا جميعا.
معاريف 13/6/2016