بغداد – «القدس العربي»: أربعة محاور دارت حولها البحوث التي قدمت في مؤتمر الرواية العراقية في دورته الأولى، التي اختتمت الأسبوع الماضي، كانت المحاور تتمثل في، «الرواية والهوية، الرواية والإرهاب، الراوية العراقية: التشكيل والتأصيل، الرواية والسينما». وقد شارك فيها ستة عشر باحثاً مع تسع شهادات لروائيين عراقيين من أجيال وتجارب مختلفة.
هذه المحاور كانت جديرة بالمتابعة والاهتمام لو انفتح اتحاد الأدباء ونادي السرد فيه على أسماء أكثر من التي قدمها خلال المؤتمر، فمع وجود بعض الأسماء النقدية المهمة، إلا أن المؤتمر غابت عنه؛ بشكل أو بآخر أسماء روائية لها بصماتها الحقيقية في الرواية العراقية. بعض الروائيين اعتذروا عن الحضور، وآخرون لم يدعوا للمؤتمر لأسباب لم يعلن عنها.
وعلى الرغم من الدعوة التي قدّمت للقاص والروائي لؤي حمزة عباس، إلا أنه أعلن رفضه تلبية الدعوة، موضحاً أسباب هذه الرفض بقوله: نظراً لما يسود مثل هذه الفعاليات من مظاهر أبعد ما تكون عن الثقافة وعياً وسلوكاً، وهو أمر أمسى ظاهرة أوسع من أن تغيّبها ادعاءات أو تخفيها أقوال. إن غياب الرغبة بإصلاح حالنا الثقافي، وتسيّد فئة منتفعة حريصة على بقاء الأمر على ما هو عليه، وقبول الأغلبية بذلك وسكوتها عنه يدفع لإنتاج فعاليات أبعد ما تكون عن الثقافة وطرائقها في تدبير الحياة.
وأضاف عباس أن تراجع المؤسسة الثقافة العراقية مفصل مهم في تراجع الدولة، وتلك مقدمة لمآلٍ حتمي نشهد فيه، لو قدّر لنا أن نكون من الشاهدين، زوال العراق بزوال منظومة القيم التي تؤسس بلداً وترعى وجوده.
من جهة أخرى، كان انعقاد مؤتمر الرواية، فرصة لإعلان الروائي العراقي عبد الخالق الركابي استقالته من اتحاد الأدباء، وسبّب الركابي استقالته «ليقيني أنه لم يعد ثمة شيء يربطني بهذا التنظيم (الفاشل) الذي يبقى أقصى ما حققه يتمثل بالاقتداء بالمرحوم (ماجلان) في البرهنة على كروية الأرض وذلك بتنظيم سفرات ترفيهية لعدد محدود من أعضاء المكتب التنفيذي إلى شتى (أصقاع الكرة الأرضية)، متناسين عشرات المرضى والمعوزين من الأدباء…».
فيما اعترضت الروائية لطفية الدليمي على عدم دعوة رواد الرواية أو تخصيص محاور لدراسة نتاجاتهم، إضافة إلى صيغة توجيه الدعوات التي لا تنم عن خبرة في إقامة هذا المؤتمر. مضيفة قولها: أما كان الأجدر بمؤتمر للرواية أن يقدم دعوات شرف خاصة لرواد الرواية العراقيين الكبار، ويجري تقديمهم على المنصة أمام الحضور للتعريف بمنجزاتهم على نحو يؤكد أهمية ريادتهم ومكانتهم لدينا؟ أما كان الأجدر بمؤتمر للرواية أن يحتفي بكبار الروائيين العراقيين والنقاد المهمومين بالرواية وتاريخها في جلسته الأولى؟ أما كان الأجدر بمؤتمرات كهذه ألا تقع في خطيئة تحكم الأمزجة بحيثيات التنظيم للمؤتمر؟ أما كان الأجدر بالمؤتمر أن يرسل الدعوات الشرفية في وقت مبكر لجميع الروائيين، كما فعلوا مع المدعوين العرب وليعتذر بعدها من يعتذر؟ ولا يكتفي بتوجيه الدعوات عبر «الفيسبوك»، أم أن المؤتمرات لا تنتبه إلى هذه الإجراءات الأولية البسيطة التي يراعيها معظم منظمي المؤتمرات وتدل على رقيّ التعامل مع الأنداد؟ هل المؤتمرات المتخصصة محض جلسات وقراءة أوراق؟ أم أن ثمة أنشطة محايثة تؤكد صدقية المؤتمر وجدواه؟ أتحدث هنا عن الروائيين والروائيات والنقاد المقيمين داخل العراق حصراً، فدعوتهم لا تكلف المؤتمر شيئاً سوى اتخاذ المواقف الاعتبارية التي ترفع شأن كل مؤتمر فوق أي انحيازات.
هذه الاعتراضات، رغم أنها جاءت مبكرة قبل وفي أثناء انعقاد المؤتمر، إلا أن المؤتمر استمر في فعالياته من دون الخوض في كل الآراء التي قيلت وما زالت تقال فيه… اللجنة المنظمة للمؤتمر التي يشرف عليها اتحاد الأدباء والكتاب في بغداد، أعلنت في ختام فعاليات المؤتمر عن إطلاق «جائزة بغداد للرواية العراقية» لإذكاء روح التنافس بين الروائيين العراقيين وتحفيزهم على المزيد من الإبداع والجدة والتواصل، على أن تجمل تفصيلات الجائزة واشتراطاتها في بيان لاحق، على حدِّ تعبير البيان الختامي.
المؤتمر أدرج في توصياته الختامية عدّة نقاط، منها: الحرص على أن يكون هذا المؤتمر تقليداً سنوياً يعقد في الشهر الأول من كل سنة، تشكيل لجنة تحضيرية تتولى التهيئة والإعداد لهذا المؤتمر قبل مدة مناسبة يجري فيها توجيه الدعوات والاتصال بالباحثين وطباعة الأبحاث، الحرص على أن يكون هذا المؤتمر فرصة لمشاركة الباحثين العرب ممن يهتمون بدراسة الرواية العراقية ومفاتحة وزارة الخارجية لتيسير الحصول على سمات الدخول من دون تعقيدات وفي وقت مناسب، والطموح لتوسيع أفق جائزة بغداد للرواية لأن تكون جائزة عربية تحتفي برموز المشهد الروائي العراقي والعربي.
وفي ختام المؤتمر، استطلعت «القدس العربي» آراء بعض المشاركين فيه، من أجل الوقوف على أهم السلبيات والإيجابيات من أجل المحاولة لتصحيحها في الدورات المقبلة.
الروائي سعد محمد رحيم يشير إلى أن الملتقيات الأدبية عرضة للنقد دائماً، إنها ترضي بعضاً من الأدباء ولا ترضي آخرين، والجميع لهم مبرراتهم.. مؤتمر الرواية العراقية نجح بحدود، وأخفق في جوانب مثله مثل أي مناسبة أدبية أخرى.. «شخصياً لا أستطيع التشكيك بنوايا أصدقائي في نادي السرد الذين طرحوا فكرة هذا المؤتمر، وتحدثوا معي بشأنه قبل أشهر، وتبنوه، وتحملوا العبء الأكبر من التمهيد له، وصاروا أعضاء في لجنته التنظيمية، وكذلك الأمر مع بقية أعضاء اللجنة في ما بعد».
أما الروائي سعد سعيد فيوضح أنه بسبب كثرة الخيبات التي نعانيها كلما دعينا إلى مؤتمر أو ملتقى عراقي، فإنه بات لا يميل إلى تلبية الدعوات، ومع ذلك يضطر في كل مرة للذهاب حرصاً منه على لقاء الأصدقاء الذين طال فراقهم، وهذه فرصة للقاء بهم، و»لكن ما رأيته منذ أول يوم أثار استحساني وأعطاني أملاً بأننا نشهد ملتقى آخر غير التي تعودنا عليها.. الحق يقال إن أعضاء اللجنة المكلفة بذلوا جهودا طيبة من أجل إنجاح الملتقى (إدارياً)… ولكن ما أن بدأت فقرات الملتقى رسمياً حتى تتابعت الخيبات التي أنستنا متعة الأمل، ولعل أول المنغصات هو الاستهزاء الشديد بقيمة الوقت فلا مواعيد تحترم ولا التزام بمنهج! وهذا سرطان أصاب حياتنا الثقافية، كما أصاب كل مفاصل المجتمع حتى أصبح قانونا يتبع».
الحقيقة- حسب رأي سعيد- أن هناك الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تذكر هنا كمنغصات، ولكنني لا أريد أن أرى النصف الفارغ من الكأس فقط، هناك ملاحظة مهمة وهي ضغط أوقات الملتقى وتحشيد الباحثين والفعاليات إلى الدرجة التي تفقد كل الفعاليات معناها والأهداف المرجوة منها، حتى أن الوقت لا يتسع للباحث لتوضيح ولو سمات بحثه المقدم.
أما الناقد علي كاظم داوود فيقول، إن هذا المؤتمر يأتي للتأكيد على تقدم هذا الفن الأدبي وتصدره للمشهد في العراق؛ وليكون ملتقى تجتمع فيه أصوات روائية عراقية من أجيال متعددة، بالإضافة إلى عدد من نقاد الرواية والمهتمين بها. وقد عمل المؤتمر على الانفتاح على الساحة الأدبية العربية من خلال دعوة عدد من الروائيين والنقاد المصريين بهدف الانفتاح على الساحة العربية والتعريف بالمنجز الروائي العربي فيها، كما أوضح القائمون على المؤتمر. ويبرز داوود أهم ما شاهد في هذا المؤتمر، مثل التنظيم الجيد الذي ينبئ عن جهد حثيث بذلته اللجنة التحضيرية منذ مدة حتى بلوغ موعده، ويحسب للجنة إنجاز كتاب يضم البحوث والأوراق التي قدمت في جلساته. أما عن الأوراق النقدية، فعملت على طرح مجموعة من الأفكار والقراءات حول الرواية العراقية، اتسم كثير منها بالرصانة المعرفية ودارت حولها نقاشات ومداخلات جريئة، كما قدم عدد من الروائيين العراقيين ومن أجيال مختلفة شهاداتهم وتجاربهم مع هذا اللون من الكتابة، أما أروقة المؤتمر فشهدت خلال فترة إقامته لقاءات وحوارات جادة بين المدعوين والحضور غلب عليها الهدوء بسبب محدودية الدعوات واقتصارها على أسماء قليلة من كل مدينة، فلم يكن كالمهرجانات الكرنفالية الصاخبة، يدعى لها الجميع ولا يرضى عنها أحد.
أما الروائي هيثم الشويلي فيقول، إن الدعوات اقتصرت كلها على العلاقات الحميمة والصديقة بين أعضاء اللجنة التحضيرية ومعارفهم في محافظات العراق وفق مبدأ تدعوني وأدعوك… هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن بعض النقاد الذين اعتلوا المنصة لم يكن شغلهم الشاغل الفضاء الذي تدور فيه الرواية العراقية، فبعضهم كان قارئاً وناقداً لروايات عربية وهذا خلاف العنوان الذي حمل اسم المؤتمر المختص بالرواية العراقية حصراً، وكأنما صعد المنصة لإسقاط فرض ليس إلا، أيضا القراءات النقدية لم تحمل أفكاراً جديدة ولم تزرع تساؤلا في ذهن المتلقي عن لماذا نكتب؟ أو كيف نكتب؟ أو لمن نكتب؟ أو ما هو الغرض من كتابة الرواية؟ أو كيف تكون روائياً ناجحاً، كما أنها لم تستعرض سبب وصول بعض الروايات إلى الجوائز العربية والعالمية التي يمكن أن يسير عليها كُتاب الرواية في طريقة طرحهم للأطر العامة والفكرة التي تبنى عليها الرواية. ويختم الشويلي حديثه: كل القراءات لم تكن شافية، بل هي استعراض لروايات مكتوبة، ذهب البطل وجاء البطل وهذه قراءة لا تكن لناقد محترف يتقن فن النقد، بل ابتعدوا عن التقنيات الجديدة للرواية واتجهوا للاستعراض فقط، وكأننا لم نقرأ هذه الروايات!
ويرى الناقد زهير الجبوري في هذا المؤتمر محاولة تأسيسية من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين. مضيفاً أنه على الرغم من إقامة اتحاد الأدباء في البصرة قبل شهرين ملتقى الرواية العراقية، إلا أنه لم يكن كافياً لقراءة منجز الرواية العراقية. وأشار الجبوري إلى أن الجلسات النقدية في المؤتمر لم تقدم ما يناسب عدد الإصدارات الكبيرة منذ عام 2003 إلى يومنا هذا. «شعرت في أثناء حضوري بأن الرواية العراقية تحتاج إلى مكان أوسع وإلى أسماء أخرى لها بصمتها الواضحة في عالم الإبداع… لا مبرر أن العدد القليل والمكان غير الكافي يفي الغرض.
صفاء ذياب