مؤتمر باريس: العالم بمواجهة ترامب؟

حجم الخط
10

يوجه حضور سبعين دولة ومنظمة دولية بينها الدول الأعضاء في مجلس الأمن أمس الأحد مؤتمر باريس حول القضية الفلسطينية رسالتين كبيرتين، الأولى لإسرائيل نفسها، والثاني لإدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب.
يتعلّق الأمر طبعاً بإدراك دوليّ متعاظم أن وجود إسرائيل (وليس سياساتها فحسب) هو في صلب التدهور الفظيع للأمن في العالم باعتبارها سبب عدد من الحروب الكبيرة والاجتياحات والعمليات العسكرية ضد الدول العربية والفلسطينيين بل إن عمليّاتها الأمنية التي تتجاهل القوانين والجغرافيا والسيادات الوطنية لم تتوقف في اي مكان من العالم منذ نشوئها.
وليس أكثر دلالة على هذا الادراك العالمي من تنكّب فرنسا عناء استضافة هذا المؤتمر الدولي وهي الدولة التي ساهمت عملياً في نشوء البرنامج النووي الإسرائيلي، ومن امتناع أمريكا في 23 من الشهر الماضي عن التصويت في مجلس الأمن على قرار يدين الاستيطان.
تعتبر إسرائيل أنموذجاً لنشر الكره للولايات المتحدة الأمريكية، راعيتها الرسمية، وكذلك للدول الأوروبية التي ساهمت في نشوئها، من بريطانيا التي مهدت باحتلالها لفلسطين للاستيطان اليهودي والنشوء الرسمي للدولة العبرية، إلى فرنسا التي رعت مشروعها النووي، فألمانيا التي اعتبرت دعمها لإسرائيل تكفيراً عن ذنب النازيين في محرقة اليهود فموّلتها وسلحتها، وباقي الدول الأوروبية التي تجاهلت الكارثة الوجودية الكبرى التي حلت بالفلسطينيين والعرب وتبنّت السردية الاسرائيلية، وينسحب الأمر أيضاً على روسيا السوفييتية ومجموعة من الدول التي كانت تدور في فلكها والتي دعمت إنشاء إسرائيل.
هذا التاريخ المخزي للعالم مع القضية الفلسطينية على أهبة تغيير جديد عاصف يتمحور حول اتجاه إدارة دونالد ترامب لنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس وهو ما سيعتبر مصادقة من أقوى دولة في العالم على اعتماد مدينة القدس عاصمة لإسرائيل الأمر الذي سيشكل، من دون شك، صاعقاً مفجراً لتدهور غير مسبوق في القضية الفلسطينية وسيكون تأكيداً على تشريع للاحتلال الإسرائيلي للقدس، وبالتالي لكافة المناطق التي سيطرت عليها خلال حرب 1967، وهو سيعطي أيضاً سابقة لتشريع لكل المستوطنات غير الشرعية المقامة على أراض محتلة وكل السياسات غير القانونية التي اعتمدتها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
مهمة استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية المتوقفة منذ 2014 لإحياء حل الدولتين التي كان مؤتمر باريس يتوخى إنجازها والتي تعمل اسرائيل على إجهاضها سيتم نسفها عمليا في حال صدور قرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس رافعاً سقف التحدّيات أمام الفلسطينيين والعرب ودول العالم المتضرّرة من الاستعصاء الفلسطيني وآثاره المتضمنة في كل الأزمات العربية والإسلامية.
لا يتعلّق الأمر إذن بمأساة الفلسطينيين المستمرة وتعنّت إسرائيل الإجرامي فحسب بل برفع مستوى التوتّر العالمي إلى ذرى جديدة من خلال استهتار إدارة ترامب بمشاعر مئات الملايين من المسلمين الذين سيعتبرون نقل السفارة الأمريكية إلى القدس تأجيجاً لصراع بين الغطرسة الأمريكية وحق الفلسطينيين في دولة وحقوق سيادة ومواطنة في أرضهم التاريخية وقوانين دولية تحميهم من العسف.
على الصرخة العالمية في باريس أن تُسمع الأمريكي الأهوج صوت العقل.

 

مؤتمر باريس: العالم بمواجهة ترامب؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية