لا يوجد أي تفسير منطقي للمؤتمر الديني الذي أقيم في العاصمة الشيشانية غروزني مؤخراً، سوى أنه مؤتمر «ضِرار» يهدف لتوجيه ضربة «دينية» للسعودية، التي ظلت طوال المئة عام الماضية ممثلاً للطائفة السنية، سواء بحكم تبنيها لهذه المهمة، أو بحكم العدد الكبير من علماء الأمة المتواجدين هناك، أو بحكم أنها بلد الحرمين الشريفين، أي أن أهلها هم أصحاب «السقاية والرفادة»، وهذا شرف يتنافس عليه العرب دوماً منذ نحو ألفي سنة (منذ ما قبل الاسلام).
المؤتمر الذي أقيم في غروزني لـ«أهل السنة والجماعة» تجاهل دعوة هيئة كبار العلماء في السعودية، أو أي من علماء المملكة المعتبرين، من غير أعضاء الهيئة، كما تجاهل دعوة جماعة الإخوان المسلمين التي تمثل «الإسلام السياسي» في العالم، والتي تحكم اليوم، أو تشارك في الحكم، في أربع دول عربية وإسلامية، فيما كان «الأزهر» وعدد من «مشايخ السلطان» في مصر أهم الحاضرين، والعمود الفقري للمؤتمر، لتتأكد نظرية أنه مؤتمر ذو أهداف سياسية، أو بمعنى آخر مؤتمر يهدف لاستغلال الدين في السياسة.
ثمة العديد من المحطات التي ينبغي عدم تجاهلها عند الحديث عن مؤتمر «غروزني»، أولها أنه انعقد في الشيشان التي تعتبر محمية روسية، وانعقد برعاية رئيسها رمضان قديروف المعين من قبل موسكو، الذي يُعتبر موظفاً لدى بوتين الذي هو بمثابة الرئيس الفعلي للشيشان، وهذا يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت روسيا حريصة على أهل السنة والجماعة؟ ولو كانت حريصة عليهم فكيف نفهم القصف اليومي البشع الذي يستهدف السنة في سوريا؟ لو كانت روسيا حريصة على أهل السنة فغاية المنى أن توقف ذبح الأطفال من أهل السنة في سوريا، لا أن تدعو جملة من أصحاب العمائم لبيع الكلام في غروزني.
أما الدلالة الأهم لمؤتمر غروزني فهو أن الحضور المصري الكثيف من علماء الأزهر وغيرهم من المقربين للنظام لا يمكن فهمه إلا في سياق ابتزاز النظام المصري للسعودية، التي تحارب في اليمن وسوريا من أجل إعادة الأوضاع الى نصابها، حيث يريد نظام السيسي الضغط على السعودية لاستئناف دعمها المالي والسياسي له، وهو الدعم الذي بات بارداً منذ تولى الملك سلمان الحكم، كما أنه ـ أي السيسي- يلوح بين الحين والآخر بورقة «الأزهر» في محاولة لإشعار المملكة بأن لديه مؤسسة دينية يمكن أن تنافس الدور السعودي في هذا المجال. أضف إلى ذلك أن العديد من علماء السنة من الأشاعرة والصوفيين والمعتدلين والمستقلين من أمثال الشيخ سعيد فودة والشيخ أمجد رشيد وغيرهما لم يكونوا على الأغلب يعلمون أنهم ذاهبون إلى مؤتمر في هذا الشكل وهذه الصيغة ويتجاهل أغلب مكونات الطائفة السنية، كما أنهم لم يكونوا يعلمون ـ بكل تأكيد- الأبعاد السياسية المترتبة على مثل هذا المؤتمر، ولم يخطر في بالهم مضامين ومعاني المكان والزمان الذي انعقد فيه هذا المؤتمر.
بهذه المعطيات فإن مؤتمر «غروزني» يمثل محطة مهمة وفارقة في تاريخ المنطقة، فهو تعبير عن تحولات سياسية ومذهبية جديدة في المنطقة، وهو محاولة واضحة لشق صف الطائفة السنية بتمثيل أطراف وتجاهل أخرى، وهذا ما ذهبت إليه هيئة كبار العلماء في السعودية، وذهب إليه أيضاً الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الموجود خارج السعودية، إذ اتفق كلاهما على أن المؤتمر هو «مؤتمر ضِرار» يهدف لتفريق المسلمين لا توحيدهم.. ولمن لا يعرف فقد جاءت كلمة الـ«ضرار» من الاسم الذي أطلقه المسلمون في أعقاب الهجرة النبوية على المسجد الذي بناه المنافقون بهدف التفريق لا التجميع، وبهدف التخريب على مسجد الرسول لا التقريب، وقد انتهى الأمر بمسجد الـ«ضرار» إلى الزوال وظل كلٌ من مسجد قباء والمسجد النبوي حتى اليوم يستقطبان ملايين المسلمين سنوياً.
خلاصة القول، إنه لا يمكن التعاطي مع الطائفة السنية ولا أهل السنة والجماعة من دون وضع اعتبار لعلماء السعودية، وهيئة كبار العلماء فيها، وبتجاهل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولا يمكن قبول أي تمثيل للسنة من دون هؤلاء، أما الأهم من ذلك فإن الكثير من العلماء الذين حضروا المؤتمر في غروزني ـ على فضلهم- فانه تم التغرير بهم وتعرضوا للخديعة ولم يكونوا يدركون أنهم سيشاركون في مؤتمر لأهل السنة ليس فيه تمثيل لأهل السنة.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش