مؤتمر فتح: حمل اللجنة المركزية كبير

حجم الخط
1

ليس من اللائق البدء فور انتهاء المؤتمر العام السابع لحركة فتح، بإعطاء علامات الرسوب، ولا علامات النجاح طبعا، للجنة المركزية الجديدة للحركة. حق اللجنة، (وخاصة الاعضاء الجدد فيها)، على حركتهم، وعلى شعبهم ايضا، ان ينعموا بالهدوء لفترة من الزمن، يقومون خلالها بالتعرف على حقائق الوضع كما هو على حقيقته، على صعيد الحركة وبنائها التنظيمي والسياسي والمالي، وكذلك على صعيد علاقات وتحالفات الحركة في جميع الساحات: الفلسطينية، الاسرائيلية، العربية والدولية. حقهم ان يأخذوا وقتهم المسموح، منطقيا، لدراسة كل هذه الملفات ومتفرعاتها، وتوزيع المهام على اعضائها، وبدء التحرك، ضامنين ممن انتخبوهم، وممن يتابعون ويراقبون اداءهم، «فترة سماح»، بل وفسحة تغاضٍ عن اخطاء صغيرة وهفوات، يمكن ان يرتكبوها، اثناء عبورهم مرحلة التأقلم مع ما يتكشّف لهم من حقائق، محجوبة بطبيعة الحال عن العامة، ولا يراها إلّا من يصل إلى موقع القيادة.
لذلك، فانه من غير اللائق، الرقص والانتشاء فرحا بـ»الانجاز العظيم»، حتى قبل ان تُبرعم «الثمار». كما من الظلم لاعضاء اللجنة القيادية المنتخبة، استعجال الندب والنواح والشتم، قبل بدء تعاطيها مع الاوضاع التنظيمية والوطنية. فـ«العَجَلَة من الشيطان».
يمكن لنا حصر الاهم بين نتائج المؤتمرفي اربع نقاط محددة، على النحو التالي: اولا مجرد عقده؛ وثانيا تثبيت ابو مازن رئيسا للحركة؛ وثالثا انتخاب لجنة مركزية جديدة لفتح؛ ورابعا احالة بعض اعضاء اللجنة المركزية السابقين إلى التقاعد.
لكن مع قصَّة كل واحدة من هذه النتائج غصَّة:
ـ عقد المؤتمر امر ايجابي. عقد المؤتمر في مقر «الرئاسة» امر سلبي. إذ كيف يستقيم مع المنطق السليم، تحويل المقر الرسمي الفلسطيني الوطني الاهم، إلى مقر لحزب او تنظيم فلسطيني، مهما علا شأنه؟. انه تصرف يفتح الباب إلى تكريس تبعية كل مقر رسمي فلسطيني، لحزب المسؤول الاول فيه، فعندما يتحول مقر «الرئيس» إلى مكتب لحركة فتح، يصبح من المقبول ان يتحول مقر كل وزارة إلى مقر للحزب الذي ينتمي اليه الوزير. يضاف إلى ذلك طريقة غربلة اسماء اعضاء المؤتمر، التي سيطرت عليها سياسة الاقصاء بشكل فاقع.
ـ تلا تلك المقدمة، غير الموفقة، استدعاء ابو الاديب، سليم الزعنون، ليطلب «المبايعة» لابو مازن رئيسا لحركة فتح، ليس بسبب تقرير سياسي تحدث فيه ابو مازن عن انجازات له تم تحقيقها، وشرح لعقبات واجهته ونجح في تخطيها والتغلب عليها مثلا، ووضع تصور متكامل لما يطمح ويعمل على تحقيقه، وبناء عليه يطلب التفويض من المؤتمرين لمواصلة اشغاله للمنصب الذي هو فيه. كل هذه الخطوات البديهية تم تجاوزها بالقفز مباشرة، ليس للانتخاب والتصويت، وانما «للمبايعة» فورا، وقد تم ذلك بالتصفيق وقوفا، مثل «ديموقراطيات» كثيرة عرفها عالمنا العربي، ودول العالم الثالث المنكوب.
ـ كذلك فان عملية انتخاب اعضاء اللجنة المركزية الثمانية عشرة، شابها هي ايضا شبه عملية تعجيز او ابتزاز، تمثّلت بالتمسك باحد بنود النظام الداخلي، واجب التعديل، ذلك البند الذي يشترط اختيار كل واحد من اصحاب حق الاقتراع لثمانية عشر إسماً من بين المرشحين، الامر الذي فرض على غالبية كبيرة من المقترعين التصويت لاشخاص لا يعرفونهم او لا يعرفون شيئاً عن تاريخم النضالي او مواقفهم وتوجهاتهم، او يعرفون ذلك، ولا يرغبون في التصويت لصالحهم، ويضطرون، رغم ذلك، ان يثبّتوا اسماءهم في ورقة الاقتراع، حرصا منهم على دعم عدد من مرشحين آخرين وجدوهم جديرين بالتصويت لهم، لا يصل عددهم إلى ذلك الرقم السحري.
ـ اما النتيجة الرابعة، وهي احالة عدد من اعضاء اللجنة المركزية «التاريخيين»، للتقاعد فقد كانت خطوة جيدة، رغم انها جاءت متأخرة «بضعة» عقود، الا انها هي ايضا خطوة غير مكتملة، حيث لم تطل آخرين «يليق» بهم التكريم والتقاعد.
كل هذا لا يحجب ضرورة المتابعة بالدعاء للجنة المركزية الجديدة، باعضائها المنتخبين، واعضائها المعيّنين ايضا، لهم بالنجاح، والتاكيد لهم ان اعضاء الحركة ومجموع الفلسطينيين يتابعون ويراقبون اداءهم، ليخضعوهم للمحاسبة بناء لأي من الكفّتين هي الراجحة.
أمام اللجنة المركزية مهمات كثيرة صعبة، واصعب، وغاية في الصعوبة. وهي كذلك لأنها تتطلب مواجهة جريئة مع الذات، وتستدعي التراجع عن قرارات خاطئة سابقة، ومجابهة تيار يرى، مخطأً، في مناضلين منافسين من صلب التنظيم، «خطرا» اشد من خطر العدو الخارجي.
ـ لم يكن المؤتمر السابع مؤتمر توحيد ورص صفوف لمواجهة ما تعانيه فتح، كتنظيم، من تمزق وابعاد وطرد، بدل الاستمالة والترحيب والجذب والتقريب. وستكون الاسابيع القليلة المقبلة، فترة اختبار للجنة المركزية الجديدة، وفترة امتحان لقدرة أعضائها وكفاءتهم في وقف الانزلاق المتسارع نحو الهاوية بفعل نزق شكّل ولوّن المرحلة السابقة بالسواد والاحقاد غير المفهومة وغير المبررة.
ـ ثم على الصعيد الوطني، فان حجم الانهيارات التي تتحمل قيادة فتح المسؤولية عنها، اكبر من ان تمهل الحركة حتى لفترة اشهر معدودة، محتفظة لنفسها بصفة «العمود الفقري» للحركة الوطنية الفلسطينية. وملاحظة مدى كمية الدم الفاسد في علاقات فتح بالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وغيرهما من «الفصائل»، واكثر من ذلك بالمستقلين، تُظهر بما لا يدع مجالا لِشك، ان الوضع مأساوي تماما.
ـ اما على الصعيد العربي، فحدّث ولا حرج. لفلسطين، غير بوابة العدو الاسرائيلي، بوابتان اثنتان فقط: مصر والاردن. وضع عضو اللجنة المركزية الراحل الكبير، خالد الحسن، كتابا كاملا بعنوان «ديكتاتورية الجغرافيا». فمن يغلق البوابتين على نفسه، وعلى شعبه، سيجد نفسه، لا محالة، بين بديلين: اما الانتحار، واما الارتماء في حضن اسرائيل. ليس معنى ذلك القبول بكل ما تدفع باتجاهه مصر او الاردن او غيرهما من الدول العربية، لكن من قال ان البديل عن رفض قناعة او مطلب مصري او اردني هو القطيعة معهما او مع أي منهما؟. رحم الله ابو عمار. سمعته اكثر من مرة يقول ان اسوأ ايام النضال الفلسطيني هي ايام القطيعة مع مصر اثر زيارة الرئيس انور السادات لاسرائيل، ففي تلك المرحلة السوداء، تم اجتياح لبنان وحصار بيروت، والتشتت في الاتجاهات كافة. وفي تلك الايام تم لنظام حافظ الاسد شق حركة فتح، والحق ذلك بمحاولات فاشلة لاغتيال ابو عمار وابو جهاد، وتلت ذلك المصيبة الفلسطينية الكبرى، بالحرب الفلسطينية الفلسطينية الحقيقية، ومعاركها الدموية، للقضاء على فتح في حرب شمال لبنان في النصف الثاني من العام 1983، حيث خرج ابو عمار من طرابلس لبنان في طريقه بحرا إلى اليمن، وفاجأ الفلسطينيين والعرب والعالم، بالتوقف في بور سعيد، والانطلاق باتجاه القاهرة لكسر قرار عزل مصر، ذلك القرار الذي كانت فلسطين هي الخاسر الاول فيه. ويضاف إلى سجل ابو عمار في هذا السياق، انه لم يذكر يوما حدود فلسطين الا وذكّر بـ»مثلث الحِمّة» جنوب بحيرة طبريا، الذي يربط شمال الضفة الغربية بسوريا، والذي احتلته اسرائيل في حرب حزيران/يونيو 1967.
لا يجوز القبول بقطيعة مع أي دولة عربية. وحتى لا نجد انفسنا في حضن اسرائيل العبرية، او حضن «اسرائيل عربية»، يجب التحرك فورا، اكرر: فورا لرأب هذا الصدع.
كبير وثقيل هو حمل اللجنة المركزية الجديدة. انهم مطالبون بوقف الانهيارات والنزق.

٭ كاتب فلسطيني

مؤتمر فتح: حمل اللجنة المركزية كبير

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية