مؤسسة «صباح الخير يا عرب» العائلية الإحتكارية… و«دوتشة فيله» تعري الإعلام الرسمي العربي

تشعر برابطة أخوية متينة في قنوات «أم بي سي»، خصوصا قناتها الرئيسية، وبالذات في برنامجها الصباحي الأكثر جماهيرية «صباح الخير يا عرب».
رابطة أخوية بين أسرة البرنامج، صارت تتجاوز أهمية المشاهد نفسه، ليصبح منتجا بحد ذاته تتقاذفه تلك الأخوية بمؤسساتها الخارجية المختلفة والمرتبطة من خلال حبل سرة غير منظور في البرنامج.
مثلا، يلتقي عبر مذيعة بديلة عن نجمته لجين عمران المتغيبة صباح كتابة هذه السطور، اسمها غادة (مرتبكة الأداء بشكل واضح)، بطبيب أسنان يتحدث عن تجميل الأسنان، وهو موضوع مهم جدا للعالم العربي، بقراه وأريافه وضواحي عواصمه ومدنه، حيث يعتبر أحيانا معجون الأسنان ترفا عصيا على الدفع، ويتم التعريف بالطبيب الوسيم صاحب الابتسامة الجميلة، التي لم تتردد المذيعة المرتبكة في التغزل به، وهي تحاول البحث عن أي «إفيه» يخرجها من ارتباكها، لنكتشف بوضوح وببطاقة مكتوبة على الشاشة أن الطبيب أبو ضحكة جنان، أحد أفراد طاقم مؤسسة طبية تحمل اسم عيادة تتبع «جويل»، نعم جويل ما غيرها، جابرة عثرات المخبولين والمخبولات في برنامجها الخاص بالتجميل، والذي لو تابعته جيدا، واستطعت الوصول إلى نسبة متابعيه بالأرقام مع توزيعاتهم الطبقية لاكتشفت أحد أسباب القهر في العالم العربي!
يعني، جويل، نجمة «أم بي سي» التجميلية، تحظى بدعاية على برنامج جماهيري في موضوع يهم من يهمهم من نخب أول أولوياتها تجميل أسنانها، ولا عزاء لمن فقدوا أسنانهم بداعي الفقر ونقص الرعاية الصحية.
اعتقدت أن الأمر صدفة، وأن المجاملات الاجتماعية والمحسوبية ليست أجندة مبرمجة في البرنامج، إلى أن شاهدت فقرة يستضيف فيها مرة أخرى «شاعرة»، كما قدمها ومؤلفة كتاب اسمه «قرصة حب»، هو عنوان الفقرة، وقد قررت إدارة البرامج، أن ترفع منسوب الوعي في العالم العربي عبر «قرصة حب» للشاعرة العظيمة المذكورة.
الكتاب موجه للأطفال، والشاعرة، التي لم أسمع باسمها من قبل، وأنا المتذوق للشعر ومتابعه، تحدثت بطريقة تفخيم لذاتها شعرت بعدها أني بلا شك كنت في غيبوبة طويلة بعيدا عن هذا العالم، حتى أصل إلى مرحلة لا أعرف من هي، بل إني همست لنفسي وأنا أستمع لها متسائلا «.. كم لبثنا؟».
أكتشف عبر «العم غوغل»، أن الشاعرة أيضا من فئة أدب «الطلاسم والبوح والهمسات»، بل لها كتاب مطبوع اسمه «طلاسم بوح»، وهو عنوان يكشف عن كثير من ثقافتها – الله يسلمها – وهو أيضا يكشف عن زمن بات فيه تأليف الكتب موازيا للف ورق العنب، أو تطبيق طنجرة ملفوف مصفوفة بعناية.
تشعر بعد ذلك، وقد تكرر الأمر أكثر من مرة، أنك أمام تفسيرين، إما أن فريق الإعداد في البرنامج هو من مريدي ثقافة «شربت كأسا لكي أراكي» الأدبية المعروفة لدى مراهقي الثانوية، أو أن القصة فيها مجاملات ترويجية مدفوعة أو غير مدفوعة، على حساب الوعي العام العربي، المقصود استغلاله وتغييبه في عالم من الترهات.

الإعلام العربي الخاص كذلك رسمي

في المقابل، فالفضاء العربي ما زال يزخر بشيء من الاحترام. ومرة أخرى أكرر إعجابي برصانة ما تقدمه قناة «دويتشه فيله» الألمانية بقسمها العربي، والمفارقة أن ذلك محسوب لصالح الألمان بحكم أن القناة رسمية مملوكة للدولة.
ليلة الثلاثاء، وفي سياق مسائيتها اليومية، والتي تتضمن محاور متنوعة يتم الحوار بشأنها، كان هناك حوار عن الإعلام العربي والواقع والمأمول منه، واستضاف البرنامج نجم الصحافة التلفزيونية الاستقصائية يسري فودة، والفلسطيني محمد الدراغمة، بقيادة حوارية ممتعة مع مايسترو الحوار في القناة ديما ترحيني، والتي تحقق معادلة الجمال «غير المترف وغير المستفز» والحضور الذكي الهادىء، الذي يحترم المشاهد ويؤطر لهوية القناة المحترمة.
الحديث في أغلبه كان عن إعلام عربي ما زال محكوما بعقلية الإعلام الرسمي، حتى لو كان مملوكا ملكية خاصة، فرجل الأعمال، الذي يقف وراء القناة هدفه الربح، والربح يتطلب رضا من يملك وسائل الانتاج وخزائن الأرض، مما يجعل رضا السلطات في أي دولة هدفا لأصحاب القنوات.. وبقليل من التحايل والذكاء الخبيث، يتم تجريع رسائل السلطة إلى المشاهد ويبقى الأمر على ما هو عليه.

أنجلينا جولي والبابا رُسل الإنسانية

ومثلي مثل غيري، انتبه – ولو قليلا- للحالة الصحية للسيدة أنجلينا جولي، ونعتها بالسيدة هنا لا يأتي في أي سياق ساخر، بل هي صفة تستحقها جولي بجدارة، وأنا ممن يتابعون أيضا نشاطاتها الإنسانية الخالية من الرياء، والقائمة فعلا على إنسانية رفيعة المستوى، وهي مشاعر نبيلة ليست حكرا على مهنة أو تصنيف معين، فالسيدة تقوم بالدور النبيل ذاته للأم تيريزا، رحمها الله، وهو النبل الإنساني ذاته، الذي عرفناه في البروفيسور محمد يونس أستاذ الاقتصاد السابق في جامعة شيتاجونغ إحدى الجامعات الكبرى في بنغلاديش، ومؤسس بنك جرامين (بنك للفقراء)، وحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2006.
وأسماء أخرى ليست كثيرة، لكنها متنوعة من حيث الانتماءات والجنسيات، يوحدها الإنسان الكامن في شخوص تلك الذوات.
نعم، أنا حزين لحالة السيدة أنجلينا جولي الصحية، فلست من مغرمي أفلامها الهوليودية، لكنني أحترم توظيفها النبيل لشهرتها، وأتمنى لها الشفاء العاجل.
… وهذا سياق يقودني إلى قفلة صغيرة تتعلق بالبابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، الذي يتجاوز عندي رجل الدين الكاثوليكي، إلى إنسان عظيم في إنسانيته المفرطة، فوظف مكانته السياسية والدينية والاجتماعية الكبيرة لخدمة ذلك الإنسان أينما كان وأيا كان.
مؤخرا، حملت طائرة البابا ثلاث عائلات سورية اصطحبها من مركز لاجئين في جزيرة يونانية، وقد زار المركز وتحدث بكلام لم أقرأ فيه أي أبعاد دينية بقدر ما كانت كلمات إنسانية محترمة.
ما أوجعني، وأحزنني، تلك العتمة التي تغلف قلوب البعض في عالمنا العربي، والذين لم يخفوا حجم التعصب الأعمى في قلوبهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي، فرأوا في سلوك البابا الإنساني ما يعكس رؤيتهم لكل شيء في هذا العالم.
حين نفتح قلوبنا لألوان الطيف الشمسي في هذا العالم، ندرك الحب.. وندرك الإنسان فينا.
وللأسف هناك كثير من العتمة.. في القلوب لا تزال مخيمة.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية