مؤشرات «حراكية» تعود لإيقاع الشارع الأردني: المتقاعدون العسكر يستأنفون بنغمة «حكومة إنقاذ وطني» والإخوان يطالبون النظام بـ«الاسترخاء قليلا»

عمان ـ «القدس العربي»: حالة الإنكار التي تمارسها المؤسسات الرسمية الأردنية لاحتمالية عودة سيناريو الحراك الشعبي قد لا تفيد أو قد تخفق في تفسير الكثير من المظاهر والمؤشرات الحراكية التي تطل برأسها في المملكة بين الحين والآخر تحت عناوين مختلفة.
الإنكار لا يفيد هنا تحديدا ولا يخدم النظام لأن العدالة الاجتماعية وفرص التنمية والتوظيف ما زالت من المتطلبات الأساسية وفقا للنائب البرلماني المخضرم خليل عطية الذي يرحب كغيره من كبار السياسيين والبرلمانيين بحالة الاستقرار الأمني والاجتماعي لكنه يستمر في مواصلة تحذير الحكومة من تداعيات إنكار الواقع وفرض المزيد من الضغوط الاقتصادية على المواطن.
في الغالبية الساحقة من مجالسات واجتماعات السياسيين التي تشارك فيها أو تحضرها «القدس العربي» يتردد الكلام حول عبقرية الدولة والنظام في تجاوز موجات إرتدادية للربيع العربي خلال مرحلة الحراك الشعبي.
وتظهر هنا إمكانية مداعبة الحراك الشعبي كما كان في الماضي مرة بسياسات الأمن الناعم والسماح بهوامش تعبير وتظاهر، ومرة بسلطة القانون والقمع وثالثة بالتساهل في مبادئ هيبة الدولة قليلا وسلطة الأمن لصالح الهضم والاستيعاب.
المداعبات هذه نجحت باعتبارها فكرة سياسية فعلا في إخراج الأردن بالحالة الاجتماعية والشعبية من مزاج أكثر موجات الربيع العربي حدة في الجوار خصوصا في سوريا والعراق حتى وإن كان سياسيون كبار من بينهم وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر يواصلون التحذير من استسهال الكلام عن إنتهاء الربيع العربي أصلا.
في ميكانيزم التفاعل المحلي والوطني مع الربيع العربي برزت معطيات تؤكد تحصيل فوائد لكل أطراف المعادلة، فالدولة بقيت موجودة وقوية وبعض أشكال الحراك الشعبي نبذها المجتمع والشارع والقوى السياسية الكبرى مثل الإخوان المسلمين استثمرت لكن دون السعي لاستغلال مسار الأحداث والأغلبية من الرأي العام بقيت في منطقة الحياد والرقابة أو الدفاع عن الاستقرار العام باعتباره منتجا للدولة يستفيد منه المواطن.
لا شكوك عند جميع المحللين ومن بينهم الناشط السياسي والحقوقي المعروف مبارك أبو يامين في أن الفرصة بقيت متاحة لأن يحرص الأردنيون على حالتهم المؤسسية وعلى علاقتهم مع النظام والدولة في الوقت الذي كانت تهوي فيه الحكومات ضمن معادلة تؤكد إيجابية النظام وإيجابية المواطن الأردني أيضا.
على هذا الأساس أفلت الأردن وبجهد مسؤول واضح من الأغلبية الشعبية، من براثن موجات التعبير الحادة التي انتشرت في الإقليم فيما سمي بمرحلة الربيع العربي، في الوقت الذي قدمت فيه الدولة بعض التنازلات على شكل مؤسسات دستورية إصلاحية جديدة قدمت لخدمة الحقوق العامة مثل المحكمة الدستورية العليا والهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات.
في المقابل لا توجد اليوم أدلة وقرائن على ان المعادلة في طريقها لتغيير سريع لكن هناك وقائع تحذر من ان الحراك الشعبي كامن وان موجته التالية قد تكون متطرفة نسبيا قياسا بالأولى إذا لم تبرز أو تولد مبادرات وطنية عامة تخفف من إحتقان الناس.
النظام معني قبل الناس بهذا المعنى حسب القيادي في الإخوان المسلمين الشيخ مراد العضايلة ومطالب وبرامج تهدئ من الحالة العصبية الحادة وتساهم في الاسترخاء وتمنع في النتيجة، احتمالات العودة إلى لعبة الشارع.
الأسباب التي تبرر مثل هذه العودة في رأي العضايلة ما زالت موجودة والتغافل عنها غير مفيد والمبادرة لإزالة الإحتقان وتوسيع دوائر المشاركة العادلة في القرار خطوات أساسية في منع حالة الاحتقان أو عودة التوتر والتأزيم، ويرى الشيخ العضايلة أن بعض أطراف القرار ما زالت منتجة للمتاعب والإحتقان ولا تتمتع بأفق أو رؤية منهجية وطنية.
من هنا تجد نظرية استمرار وجود أسباب الإحتقان والحراك الشعبي أنصارا لها في الواقع السياسي والنخبوي، فأسئلة الفساد ما زالت معلقة والإجراءات في بعض الملفات غير شفافة ومشكلة التطرف والإرهاب والعنف تقلق مع مشكلة المخدرات، الرأي العام والدولة كما يشرح عضو البرلمان الأسبق الدكتور عبد الحميد الذنيبات.
في الوقت نفسه فإن المجتمع اليوم خليط ينتهك التجانس مع وجود فئات عريضة من اللاجئين بنسبة كبيرة في أوصال المجتمع، والقطاع الخاص ينحسر والاستثمار في أضيق حدوده والتنمية الاقتصادية تواجه تحديات أساسية من بينها الأولويات وعجز الموازنة والدين الخارجي كما يشرح رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي.
البطالة والفقر تزداد رقعتهما وثمة عناصر في أزمة الأدوات والواقع المعيشي والخطاب الديني الكلاسيكي المعلب تجذب التشدد وتكرسه وتشك في إنتاجية ما يتردد عن خطط وبرامج لمواجهة التشدد والإرهاب في تقدير المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة.
الساحة بهذا المعنى بسبب كلاسيكية أدوات الحكم والادارة واستمرار الجباية كوسيلة يتيمة لتعويض نقص الميزانية، مفعمة بالتساؤلات الحائرة بعنوان إحتمالية عودة الحراك الشعبي.
في السياق ثمة مؤشرات حراكية لافتة في المجتمع لا يمكن تجاهلها أو إسقاطها من الحساب وقد عبر عن ذلك البيان الأخير الذي أعاد إنتاج الرأي والنشاط السياسي لتيارات المتقاعدين العسكريين بعد نحو عامين من الغياب وهو بيان يتحدث عن الحاجة الضرورية لحكومة إنقاذ وطني وعن رفض العــسكر النشطاء لأي مشاريع إقليمية تسعى لتغيير حدود المملكة المعروفة دستوريا.
الإعتصامات أيضا ذات البعد المطلبي وهي أعقد وأخطر من البعد السياسي كما يرى الخبراء عادت للظهور في الشارع سواء عند جمهور طلاب الجامعات أو في بعض أوساط العمال خصوصا في المصانع الكبيرة التي تغلق أبوابها اليوم بسبب الضائقة الاقتصادية.
باختصار ثمة معطيات حراكية في الأفق يقابلها ثبات في نخبة الحكم وأدواته قد لا يكون مبررا ومساحات مفتوحة على كل الإحتمالات عندما يتعلق الأمر بالبعد الإقليمي.

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية