الرباط ـ «القدس العربي»: مازالت حركة «20 فبراير» المغربية تلهم بعض الأدباء والمبدعين، على الرغم من خفوت جذوتها الملتهبة. وبهذا الصدد، جاء الكتاب الشعري المغربي الجديد «باراكا» (أي كفى) ممجّدا لهذه الحركة التي انطلقت قبل أربع سنوات، في سياق ما سمّي بـ»الربيع العربي»، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في المغرب.
يحتوي الكتاب على قصيدة واحدة طويلة، تملأ صفحاته التي فاقت الخمسمئة صفحة، ويهديه المؤلف عمر أوكان إلى مناضلات ومناضلي «20 فبراير»، الذين أعادوا الأمل للحياة في المستقبل، بفضل حركتهم التنويرية والبروميثيوسية التي شعارها الثالوث المقدس: كرامة، حرية، عدالة اجتماعية؛ غير أن قوى الظلام ـ كما يقول المؤلف ـ كانت لهم بالمرصاد وأجهضت الأحلام قبل الميلاد.
ولحد الآن، يرفض الموزعون الرسميون توزيع الكتاب، مثلما كشف المؤلف لـ»القدس العربي»، مبررين ذلك بكونه يتحدث عن الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي في المغرب.
فرادة الكتاب
هذه نقطة واحدة من بين نقاط أخرى تجعل هذا الكتاب غير عادي، كما تكمن فرادته في عدة عناصر:
أولا ـ كون مؤلفه يتخلى عن حقوقه، ويجعلها غير محفوظة، متيحا بذلك إمكانية استغلاله جزئيا أو كليا، ورقيا أو رقميا، صوتيا أو بصريا، من دون إذن من المؤلف، عمر أوكان؛ ويفسر هذا الأخير المسألة بكونه يشعر بأنه ليس كاتب هذه القصيدة، وإنما كاتبها الفعلي ـ مثلما جاء في مقدمة الكتاب ـ هو كل شخص يشعر في قرارة نفسه بأنها تعبر عن واقعه وشعوره وكل همومه وبحور فقره وصبره وجبال بؤسه ويأسه، ويحق له بالتالي أن يحذف اسم المؤلف ويضع اسمه ولقبه عليها، باعتباره ليس المؤلف المفترض، وإنما مؤلفها الحقيقي الذي عاش مخاضها وولادتها مدة أربعة أحوال؛ وبهذا الصنيع يؤكد الشاعر موت المؤلف وميلاد القارئ، حيث يتحول القارئ إلى مؤلف ويتحول المؤلف إلى قارئ، وينتقل النص من مقصدية المتلقي وليس من مقصدية المرسل.
ثانيا ـ كون قصيدة «باراكا» بدأت بعشر صفحات منذ أربع سنوات مع انطلاق حركة «20 فبراير» التي شارك فيها المؤلف منذ انطلاق أولى وقفاتها الاحتجاجية ضد الفساد والاستبداد، سواء في الدار البيضاء أو في الرباط أو مراكش، لتصل القصيدة إلى ما يفوق خمسمئة صفحة، حيث كان كل حدث سياسي يأتي ليضيف أبياتا إليها ـ بحسب توضيح المؤلف ـ من خلال زرعه بين صفوف الأبيات المحتشدة، إلى الدرجة التي اختلطت فيها الأحداث ما بين الحابل والنابل والماضي والمستقبل، ولم يعد يراعي الترتيب الزمني مثلما كان عليه الأمر في بداية كتابة القصيدة.
ـ ثالثا، كون المؤلف لا يستثني في انتقاده اللاذع أي حكومة من الحكومات التي تولت تدبير الشأن العام في المغرب خلال العشر سنوات الأخيرة، بما فيها الحكومة الحالية التي يقودها حزب موصوف بـ»الإسلامي». إنها ـ بحسب عمر أوكان ـ تلتقي في التعايش مع «الفساد الذي يدب دبيب النمل في الجرح، ويسري سريان السم في العروق، وينتشر انتشار السرطان في الجسد، إلى درجة صار معها المغرب يحتل مكانة مرموقة ومتقدمة جدا في السلّم العالمي للفساد من حيث التعذيب والاختطاف والتضييق على الحريات العامة، وخرق حقوق الإنسان وانتشار الفقر والبطالة والمخدرات والدعارة والأمية والرشوة والجريمة، وتبييض الأموال والشطط في استعمال السلطة واستغلال النفوذ وخيانة الأمانة وشقاء المواطنين وضياع العدالة…». ويضيف عمر أوكان قوله في مقدمة الكتاب: «لقد صار الفساد ـ في ظل هذا الواقع القاتم ـ هو الطاعون السائد في خريطة البلاد وبين عموم البلاد، وتم اغتيال كل المحاولات الرامية إلى تجاوز الواقع القائم لبناء واقع ممكن فضيل وجميل ونبيل، من خلال شراء الذمم بالمناصب الغاوية المغرية وبالمال الوفير…».
صمت النخبة
يفسر أوكان سبب اختياره كتابة القصيدة باللهجة الدارجة المغربية عوض اللغة العربية الفصحى، بقوله إن القصيدة هي التي فرضت عليه لسان كتابتها إجبارا لا اختيارا، باعتبارها تهدف إلى مخاطبة عامة الشعب المغربي وليس خاصته من النخبة المثقفة، التي غادرت الساحة وصمتت عن هموم الجماهير ونسيت وظيفتها في التنوير والتحرير؛ وكذلك باعتبار الرسالة التي تسعى القصيدة لتبليغها بغية السعي إلى تغيير الواقع وليس الاقتصار على تفسيره فحسب.
ومن هذا المنطلق، يوضح المؤلف أنه يقوم بواجبه في التفكير والتعبير، لكونه مثقفا مهمته نقد الواقع، بغية إعادة بنائه، وأنه ليس مسؤولا عن الآخرين إن لم يقوموا بواجبهم، «بينما أنا مسؤول عن نفسي ـ بحكم الضمير الأخلاقي الذي يحكمني ـ في ضرورة القيام بالدور المنوط بي تجاه الطبقات المحرومة للدفاع عنها والمطالبة لها بحقوقها المغتصبة بقوة الاستبداد؛ ولست مجبرا على التفكير بعقلية القطيع…» على حد تعبيره.
عبارات صادمة
يستعمل المؤلف عبارات جريئة صادمة، قد توصف بكونها مخلة بالحياء، لكن المؤلف يرى أنها تعبر عن الواقع مثلما فعل قبله شعراء وروائيون أمثال الطيب صالح ومظفر النواب ومحمد شكري ومحمد زفزاف وغيرهم… ويضيف قوله إن تلك العبارات وليدة الواقع المعيش للطبقات البائسة والمهمشة في المغرب غير النافع (مغرب الفقراء في مقابل المغرب النافع الذي هو مغرب الأغنياء)، كما أن تلك العبارات حاضرة في الموروث الشعبي، وتعبر عن ثورية محضة تكمن خلف تعرية اللغة من أجل كشف عراء الواقع، وهي قمة السلم التعبيري الثائر والناقم عن الوضع المزري للمغاربة وللوطن، حيث لا توجد تعابير أقوى منها في الصورة الرمزية والحمولة الدلالية والمقصدية الذاتية.
ومن جهة أخرى، ترد في هذا الكتاب شعارات «20 فبراير» التي يقول المؤلف إنه رددها مع أعضاء الحركة ومناصريها أثناء الوقفات الاحتجاجية، وتدخل كذلك في تناص مع كثير من النصوص التي تؤثث المخزون القرائي للمؤلف وفسيفساءه التي تتعدد مشاربها المعرفية وعديد من نصوص الفن الغنائي الشعبي «العيطة».
الطاهر الطويل