ماء وملح ومستوطنات وجرح

لم تنتظر إسرائيل طويلاً بعد اختطاف ومن ثم مقتل ثلاثة مستوطنين، على يد مازالت مجهولة، كي تغذي سعير حربها على الفلسطينيين، وكأن تلك الهجمة المسعورة كان مخططاً لها مسبقاً، فهي لم تبحث عن مبررات القتل الذي تمارسه منذ نشوئها، لكنها ضخمت هذه الحادثة كي تجر الصراع إلى ملعبها، حيث القتل والسلاح الفتاك، لأن أكثر أساليب النضال ضد الاحتلال، الذي يجعلها تقف حائرة بطريقة الرد، هو النضال السلمي، إن كان اعتصاما أو مظاهرة أو إضراب معتقلين عن الطعام، بما يجده من صدى وتأييد عالميين، خاصة على مستوى المنظمات والهيئات المدنية العالمية. ومن هنا حاولت إسرائيل تصوير المعركة على إنها إرهاب ومعركة مسلحة تدور بين طرفين متكافئين، فأمعنت بالتنكيل والقتل والأسر.
دخل الاحتلال الإسرائيلي المدن الفلسطينية وقلب التراب، فتش الجلد والثياب وعلّق الخوف والموت فوق المنازل وعلى صدور الأطفال والنساء، بحجة البحث عن المستوطنين الثلاثة.. رسم ببزته العسكرية الاختلاف القائم بين القوة التي تسرق الحق، والحق الذي لا يغيب بغياب القوة.. دخل جنوده البيوت بعد تفجير أبوابها، فتحوا الخزائن وبعثروا الذكريات، إمعاناً في التخريب والقهر.. أطلقوا الرصاص واعتقلوا، وأعادوا اعتقال من يريدون اعتقاله، ليقولوا للفلسطينيين أنتم وسماؤكم وأرضكم وملحكم وماؤكم طوع سلاحي وتحت سوطي.. أنتم أسرى متهمون بفلسطينيتكم، مهددون بلقمة عيشكم، مستباحة حياتكم، فإما هي للسجن أو للغياب، شوارعكم ستظل تخنقها ريحنا والحواجز والسواتر، سماؤكم تحجبها طائراتنا أنىّ شاءت. هكذا يريد الاحتلال للفلسطينيين أن يكونوا، وإن كانوا فهو يريدهم في أرضهم أسرى في سجن كبير بمساحة الوطن، أو انهم معتقلون في زنازين الظلم والغياب.
وإذ قام الاحتلال الإسرائيلي بكل هذه الممارسات لإعادة هيمنته وانتشاره في المدن والبلدات الفلسطينية، إلا أن من أهم العناوين لهذه الجرائم، كان كسر إرادة المعتقلين الإدرايين المضربين عن الطعام وتفريغ نضالهم الأسطوري من محتواه الإنساني والأخلاقي، ومحاولة تصويرهم على أنهم إرهابيون، ومنهم من قام بعملية الاختطاف، لذلك لا يمكن ائتمان جانبهم حتى لو خرجوا من السجون والمعتقلات، ليعطي بذلك مبرراً لعنصريته وسبباً لتجاهل المواثيق الدولية المتعلقة بمحاكمة المعتقلين وتوجيه تهم محددة اليهم، وهو السبب الأصلي الذي دفع المعتقلين الإداريين للقيام بالإضراب عن الطعام والاكتفاء بالماء والملح، لأكثر من ستين يوماً، فكان جوعهم صرخة على الغياب والإنكار والتغييب، كان رفضاً لأن يمضوا إلى السجن بصمت، ويبقوا هناك ليتآخوا مع صمت الجدران وصمم القضبان، ما أحرج الاحتلال حين افترست عيونهم التي اتسعت بحجم الحرية والوطن بزة الجندي، وأكل جسدهم الذاوي ادعاء العدالة في دولة العنصرية.
فأخذ الاحتلال يفكر بحلول وصلت في عنصريتها إلى المطالبة بسن قانون يمنع إطلاق سراحهم، وأخرى تمادت في حقدها فطالبت بسن قانون يخول المحاكم العسكرية إصدار حكم الإعدام على الأسرى منعاً لأي ابتزاز أو أي تنازل في المستقبل. خاف الاحتلال أن تشعل قضية الأسرى فتيل الغضب الفلسطيني، بعد أن حظي الإضراب بحملة تضامن واسعة، فجاء اختطاف المستوطنين الثلاثة ذريعة للتنكيل بالمعتقلين وتجاهل مطالبهم، وحرف حملة التضامن معهم التي حملت اسم «مي وملح» إلى حملة مضادة تصف الفلسطينيين بالإرهاب تحت اسم «أرجعوا أولادنا»، حيث أعلنت إسرائيل على عجل أن المسؤولين عن اختطاف المستوطنين الثلاثة هم أسرى كانوا في سجونها، تمهيداً لمزيد من التنكيل بهم، ولإضافة المئات من المعتقلين الفلسطينيين على أكثر من خمسة آلاف أسير يقبعون في السجون الإسرائيلية.
وفي ظل التضليل الذي يصور الاحتلال نفسه على أنه ضحية يقع تحت الإرهاب الفلسطيني، وبسبب التضخيم والضجة التي أثارها على عملية الاختطاف، علق المعتقلون الإداريون إضرابهم متكئين على إرادة جسد هزيل عاش على قطرة ماء وذرة ملح قادرة على إعادة الكرة.
وإذا كان الاختطاف مبرراً لإسرائيل للنيل من الأسرى وإضرابهم، فقتل المختطفين يصبح عنواناً لقضم مزيداً من الأراضي الفلسطينية وتهجير السكان من بيوتهم وبلداتهم بحجة تأمين المستوطنات، بل عنواناً لمزيد من الإرهاب والعنصرية الذي يمارسه المستوطنون، برعاية وإشراف قوات الاحتلال، بشكل ممنهج، لتسميم حياة الفلسطينيين، وقتلهم والاعتداء على بيوتهم أو احتلالها، وقلع أشجارهم وتخريب محاصيلهم، وسد سبل العيش أمامهم. وما حرق الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير بعد خطفه وقتله من قبل قطعان المستوطنين، إلا دليل على سياسة ممنهجة تقوم على إرهاب الفلسطينيين لتفريغ الأرض من أهلها، وما رمي جثمانه في دير ياسين إلا بعث لرمزية المكان في الذاكرة الفلسطينية لمجزرة تتكرر كل يوم في المدن والبلدات الفلسطينية.
يسعى الاحتلال لسلب ما تبقى من أرض فلسطين ليعلق عليها مستوطناته ومشاريعه العابرة للتاريخ، يريد أن يسجن ويعتقل وينكل من دون أن يصدر من الفلسطينيين صوت الآه، يريد أن يحرف التاريخ عن صيرورته بقتل روح الفلسطينيين أو كسرها. يريد الاحتلال أن يرسم خارطة الخوف في قلب الفلسطيني، التي فشل في رسمها منذ ستين عاماً وأكثر بقتل روح المقاومة ووأد شعلة الغضب.. يريد أن يسرق وجع الفلسطيني وموته ودماءه، يريد أن يعربد في سماء غزة وعلى أرض الخليل ويحاول تفتيت حجارة القدس، علها تنسى حكايات ناسها، علها تنسى سنابك المعراج نحو السماء، وتخمد صدى المآذن في هواء الأقصى.
ولكن كيف للروح أن تحتمل كل هذا الألم المسجل كعلامة فارقة باسم المقهورين على حواجز الذل والخوف، المقتولين كلما عنّ على بال القاتل أن يفرج عن رصاصة حقده، المسجونين على مساحة الوطن، والمعتقلين في مكعبات الموت، والأسرى تحت رطوبة الزنازين، كيف للروح أن تحتمل عبء الشبع، وهناك من يقضي في السجون وهو يعلن جوعه في وجه القهر ليعيد للجسد معنى الروح، هل للروح أن تحتمل كل هذا الألم ولا تغضب؟

٭ كاتبة فلسطينية

سعاد قطناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية