هل حقاً انه يوجد فرق بين الولايات المتحدة الأمريكية والدولة الداعشية الجديدة ؟ إذا كنا نؤمن منطقياً بانه لا فرق بين الشًر الذي يرتكب باسم الله ، كما تمارسه داعش، وبين الشرٍّ الذي يرتكب باسم الديموقراطية وحقوق الانسان الذي مارسته ولازالت تمارسه أمريكا في شتًّى بقاع الدنيا، فالجواب على السؤال سيكون بالإيجاب.
ان داعش مؤسًّسة / دولة بربرية تمارس شتُّى انواع القسوة اللاانسانية، لا تفرٍّق بين البريء وبين المذنب، لا ترحم الأطفال والنساء وكبار السًّن، لا تتردد في حرق الأخضر واليابس من أجل إطفاء غضبها وتحقيق غاياتها.
كذلك فعلت وتفعل الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الشهيرة في فيتنام عندما ألقت ألوف أطنان النّابالم القاتلة للمحاربين والمدنيين العزًّل على السواء والمواد الكيميائية القاتلة للزرع والملوًّثة للبيئة، وفي استعمالها للقنبلة الذرية في اليابان التي قتلت وشوًّهت مئات الألوف من السكان المدنيين، وفي اجتياحاتها البربرية لأفغانستان والعراق، وفي عشرات المؤمرات والاغتيالات والانقلابات التي قامت بها شتى أجهزتها الاستخباراتية في العالم كلًّه، وفي انحيازها الأعمى اللا أخلاقي للكيان الصهيوني وتبرير كل جرائمه باسم حقًّه في الدفاع عن كيانه المغتصب دون ان يرف لها جفن تجاه ملايين الفلسطينيين المتشرًّدين في كل بقاع الدنيا أو تجاه المذابح المتكررة في غزُّة وبقية فلسطين.
نحن أمام شرًّين متساويين في السقوط الأخلاقي مع الفارق انه إذا كان ضحايا داعش لايزيدون عن بضعة ألوف فان ضحايا أمريكا يعدُّون بالملايين.
أما على المستوى الاجتماعي فان كلتيهما تعبٍّران عمًّا يعرف في اللغات الأجنبية با لـ Cult « « ، أي الطائفة الطقوسية التي لها خصوصيتها وطقوسها وهلوساتها، داعش في حقل الدين وأمريكا في حقل السياسة. وكلتاهما تمارسان طقوسهما بعبثية وقسوة وغضب بدائي وتبريرات سايكوباثية ( أي بلا ضمير وبلاشعور بالذنب ).
لو اننا أمعنًّا النظر في الصٍّفات التي تتميز بها كل الطوائف الطقوسية ( Cults ) سواء في الدين أو في الموضة أو الإجرام أو السياسة، فاننا سنجد كثيراً من التماثل في السلوك الداعشي والسلوك الأمريكي.
فخاصية التلاعب بالعقول والسيطرة عليها تمارسها داعش من خلال القراءة المتخلفة للدين الإسلامي والوعد بدخول الجنة، وتمارسها أمريكا من خلال آلة إعلامية وإعلانية هائلة تمارس تشويه الحقائق أو إخفاء نصفها.
وخاصية خداع الآخرين وخداع النفس تمارسها داعش عندما تعتبر الحماقات التي ترتكبها جهاداً في سبيل الله، وتمارسها أمريكا عندما تعتبر ان ما تمارسه من إضرار بالآخرين هو دفاع شرعي عن أمريكا وشعبها.
وخاصية إقصاء الآخرين واعتبارهم من الضالين تمارسها القاعدة من خلال استعمال انتهازي لشعار تاريخي قديم وهو شعار دار الإسلام مقابل دار الكفر، وتستعمله أمريكا من خلال شعار جماهيري أمريكي قديم يعتبر « الطريقة الأمريكية « الحياتية هي الأفضل والأرقى وان لدى أمريكا رسالة شبه دينية لنشر ديموقراطيتها في العالم.
وخاصية استغلال الفرص واستغلال الآخرين مارستها داعش في العراق عندما استفادت من غضب العشائر والسًّنة والعديد من الأحزاب من جرٍّاء الممارسات الطائفية من قبل المالكي من جهة ومن جراءء تعثُّر العملية السياسية الهادفة لقيام حكومة وطنية من جهة أخرى، وأمريكا مارست تصُّيد الفرص للعودة للمنطقة من خلال استغلال خوف ورعب العديد من الدول العربية من إمكانية تمدد الدولة الداعشية نحو حدودها وضم أجزاء منها للدولة الجديدة، تماماً مثلما فعلت مع سوريا، فكان ان كونت الحلف الخمسيني العتيد لمحاربة داعش والقضاء على الدولة الوليدة.
والواقع ان هناك دلائل عند البعض بأن وراء هذا الهدف الأمريكي المعلن أهدافا تتخطى هدف القضاء على داعش خصوصاً وان اللغط يزداد متهماً أمريكا بأنها هي القابلة التي أشرفت على ولادة داعش من رحم من رعوها في أحشائهم فكراً وتغذية وإسناداً عبر سنين طويلة.
ماذا تعني كل تلك المقارنات؟
إنها تشير في الواقع إلى ضرورة طرح السؤال الآتي: هل يمكن للشرٍّ ان يقضي على شرٍّ ثان دون ان يبني على انقاضه شراً ثالثاً جديداً، قد يكون أسوأ وأخطر ؟
هذا سؤال يجب ان يؤرقنا، نحن العرب، طيلة سنوات الحرب التي أعلنت مؤخراً والتي يتنبأ مشعلوها بانها ستطول. لقد لدغ العرب عبر السنين من ألف ثعبان في ألف جحر أمريكي. لذا في غمرة آلامهم ومخاوفهم من الجنون الداعشي يجب ان لا ينسوا قط الشر الأمريكي. يا لهذا الزمن الرديء.
٭ كاتب بحريني
د. محمد علي فخرو