كم هي قذرة ووضيعة السياسة في عصرنا، وربما في كل عصر، فهي حقا بلا دين ولا قلب ولا أخلاق؛ إذ كانت إيران حتى عهد قريب توصف من جانب الدوائر السياسية الغربية والإعلام المغرض الناقل لمقولاتها بأوصاف منفرة ذميمة، أقلها أنها الدولة الأكثر رعاية للإرهاب. فأين تبخر كل الإرهاب الدموي المنسوب لتلك الدولة، وهل جبّه توقيعها للاتفاقية النووية مع الغرب، لتصبح بجرة قلم دولة طيبة مسالمة جديرة بالاحتضان لاحترامها القانون الدولي وخلو سجلها مما يهدد المجتمع الدولي! التحول الجذري في الموقف الغربي تجاه إيران بعد إبرام الاتفاق النووي معها، وتسابق قادة الدولة الغربية على الحج إلى طهران للظفر بجزء من كعكة الصفقات الاقتصادية العملاقة التي لاحت في الأفق، التي سال لها لعاب أولئك القادة، يكشف بوضوح تهافت أسطورة «الإرهاب». فالاتهام بالإرهاب كما يبدو بصورة فاضحة، هو مجرد ورقة انتهازية مرنة تتلاعب بها الدول، وفي مقدمتها الدول الغربية، على هواها، فترفعها في وجه الدول أو التنظيمات التي تهدد مصالحها، السياسية والاقتصادية، فإذا ما اكتشفت أن بالإمكان الاستفادة من تلك الدول والتنظيمات لتحقيق بعض المصالح، مزقت تلك الورقة ورمتها في سلة المهملات، أو طوتها على الأقل من باب الاحتياط تحسبا للاحتياج لإعادة استخدامها لاحقا!
من المستفز حقا أن الخارجية الأمريكية قد نشرت في تقريرها الذي صدر قبل أسابيع قليلة من توقيع الاتفاقية النووية أن إيران «استمرت في دعم مجموعات إرهابية حول العالم» طوال عام 2014! فأين ذهبت تلك المجموعات؟ وهل توقفت إيران عن دعمها؟ إلا إذا كان المقصود بالمجموعات الإرهابية حسب المنظور الأمريكي حركات المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين! وإذا كانت إيران قد تابت عن مواصلة دعم المجموعات الإرهابية بين عشية وضحاها، فلم تجد الدول الغربية بعد ذلك ضيرا في مصالحتها، فما مصير الجرائم التي يفترض أن تلك المجموعات قد ارتكبتها، أم أنها سرعان ما سقطت وكأنها لم تكن بمجرد ارتماء قادة طهران في أحضان الغرب! يبدو أن الغرب يحاول تطبيق المفهوم الإسلامي للتوبة فيما يتعلق بالحالة الإيرانية، معتبرا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولهذا فإن كل ذنوب إيران قد اغتفرت فورا حين سجدت على الملأ للإله الغربي!
لكن المشكلة التي يصعب إنكارها أو تجاهلها، التي تطعن في مصداقية قصة التوبة الإيرانية الضمنية عن الإرهاب، وفي نبل الغفران الغربي لها، أن إيران لم تتوقف لحظة واحدة، قبل الاتفاق النووي وبعده، عن دعم مجموعات إرهابية مجرمة، عاثت وتعيث وستعيث فسادا في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغير ذلك من دول عربية. اللهم إلا إذا كان الغرب لا يعلم أن طهران هي التي تحكم العراق وسوريا ولبنان عن طريق عملائها هناك، وهي التي تمول وتدرب وتقود الميليشيات الحاقدة التي تنفذ جرائم إبادة جماعية ضد المسلمين السنة في العراق وسوريا، تتواضع أمام فظاعتها الجرائم التي يرتكبها «تنظيم الدولة» نفسه، وهي التي تقف خلف دعم العصابات الحوثية التي تحاول الهيمنة على اليمن نيابة عن إيران!
المشكلة الأخرى، والأهم، أنه لا فائدة ترجى من الكلام فيما أخشى. فقد طق عرق الحياء في جبين الغرب المتنمر المتحكم بالعالم، ولم يعد يستحي ـ على افتراض أنه كان يستحي يوما ـ فصار يفعل بنا ما يشاء. فهو يعلم علم اليقين أن إيران كانت وما تزال وستظل، حسب معاييره التي يتشدق بها، أكبر دولة راعية للإرهاب، لكن ذلك لن يقدم أو يؤخر ولن يفسد لوده معها قضية. ما دام يضمن أنها تعمل تحت جنحيه، وأن إرهابها سيتجه حصرا نحو أهداف عربية وإسلامية، وسيصب في المحصلة النهائية في تحقيق مصالحه وإنجاز أهدافه، الرامية إلى إجهاض أدنى إمكانية لنشوء قوى عربية إسلامية قادرة على النهوض المستقل، وعلى مجابهة المشروع الغربي ـ الصهيوني، الذي تحالف إستراتيجياً مع المشروع الصفوي!
أقول إنه لا فائدة ترجى من الكلام، لأنه بالإضافة لسقوط برقع الحياء تماما عن وجه الغرب، فإن الأنظمة العربية القائمة تعمل، عن وعي أو غير وعي وبشكل أو بآخر، في خدمة ذلك المشروع الشرير الثلاثي المحاور. فالمغرب ترسل جنودا من عندها كي يتدربوا في «إسرائيل». وزعماء مصر والإمارات والأردن يهرعون إلى موسكو لمناقشة خطة تستهدف الإبقاء على نظام المجرم الأسد، أحد أكبر غلمان إيران في المنطقة. وعُمان تلعب في الخفاء لإنجاح هذا التوجه. والكويت تتزلف لإيران وتصف المرشد الإيراني بأنه مرشد المنطقة كلها. والسعودية وقفت وما تزال في مقدمة الذين طعنوا الربيع العربي في مقتل ودعموا أنظمة فاسدة عميلة، لتحرم الوطن العربي من نشوء أنظمة ديمقراطية حرة تعبر عن إرادة الشعوب، وتستطيع الوقوف في وجه القوى الخارجية الطامعة. وقطر تبدو حائرة عاجزة عن حسم مواقفها المتذبذبة. وعباس يتملق إيران وبات يرى فيها «جارة و شقيقة» نكاية بحركة حماس التي انقطع عنها الدعم الإيراني، وهذه الأخيرة، وهي معقل المقاومة الجدي الأخير ضد الكيان الصهيوني، تخطط لتوقيع هدنة طويلة مع ذلك الكيان، لا يمكن إلا أن تكون على حساب ثوابتها…
لكل ذلك، يحتاج الأمر ولا شك إلى تدخل إلهي، فالله وحده يستطيع إنقاذ الوطن العربي من المصير المظلم الذي يسير نحوه بخطوات حثيثة متسارعة. لكن الله لا يرسل ملائكة من السماء كي تحارب نيابة عن أحد، فإذا لم تنهض الشعوب العربية الغافية الغافلة مجددا وتستبسل من أجل استرجاع حقوقها المسلوبة، بعد أن آثرت السلامة والعودة إلى السبات إثر تآمر الأنظمة المستبدة والقوى الخارجية التي تقف خلفها لتحويل الربيع العربي إلى شتاء عاصف يقطر بالدماء والأشلاء؛ فعلى تلك الشعوب المستعبدة السلام، ولتبشر بمستقبل كالقطران، لن تعرف فيه يوما معاني الحرية والعزة والكرامة والاستقلال!
د. خالد سليمان
أكاديمي عربي مقيم في كندا