انتهى الإستفتاء على مصير اسكتلندا وعرفت النتيجة وصوت الإسكتلنديون على البقاء ضمن الإتحاد البريطاني. وأيا كان الموقف من النتيجة فقد غير الإستفتاء الحياة السياسية في بريطانيا وللأبد، وكشف عن حجم الثغرة بين العاصمة والمدن الأخرى والحزب والحاكم والشعب وعن مشكلة الحزب الحاكم نفسه. ولكن الإستفتاء غطى على عدد من المشاكل المصيرية الأخرى التي تواجه بريطانيا وليس أقلها ماذا تفعل مع تنظـــيم الدولة الإســـلامية في العــــراق والشــام، فلم تعد المسألة تتعلق بتصميم سياسات لمكافحة الإرهاب ومنـــع جهاديين بريطـــانيين السفر إلى سوريا والعراق بل أصبحت بريطانيا في مرمى هدف التنظيم عندما أعدم عامل الإغـــاثة البريطاني ديفيد هينز في (14/9/2014) وهدد بإعدام آخر وهو آلن هينينع. وإمعانا في الإستفزاز أصـــدر «داعـــش» شريطا في يوم الإستفتاء لرهينة بريطاني يعتقله منذ عامين الصحافي جون كانتلي، واختلف الشريط الأخير عن الثلاثة السابقة، فقد اختفت الصحراء واختفى القاتل ولم يظهر سوى كانتلي بلباسه البرتقالي والذي قدم خطابا انتقد فيه السياسة الخارجية البريطانية والأمريكية في الشرق الأوسط ووعد بتقديم محاضرات أخرى، وهو ما يضع الحكومة البريطانية أمام تحد واضح.
ورغم ما يواجهه كاميرون من تحديات داخلية فلم تتضح سياسته حول ما يجري في العراق، سوى ما جاء في مقاله الذي نشره في صحيفة «صانداي تلغراف» (16/8/2014) وتحدث فيه عن معركة طويلة مع التطرف. وحدد معالم التصدي لـ»داعش»، دبلوماسيا وانسانيا وعسكريا. وأهم ما برز في مقالة كاميرون هو اعتباره «داعش» تهديدا مباشرا ليس على العراق وسوريا فقط بل وعلى بريطانيا. وأشار للدور الإنساني الذي قدمته القوات البريطانية للأقليات العراقية في جبل سنجار، وخططه لدعم الأكراد، رغم أنه يتناقض مع رؤيته حول العراق الموحد، وباعتباره تعزيزا لطموحات الإستقلال لدى الأكراد. وأعلن عن تعيين مبعوث خاص له في مناطق الأكراد لينسق الجهود البريطانية.
الملمح الثاني لما قدمه كاميرون من رؤية حول العراق جاء في المقال الذي نشرته صحيفة «التايمز» (4/9/2014) وفيه برزت نبرة التحدي ضد التطرف والإرهاب الذي يمثله «داعش» ودعيا فيه لممارسة، حلف الناتو الذي انعقد في نيوبورت- ويلز البريطانية، دوره التقليدي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ومواجهة الأزمة في العراق من خلال تحالف دولي. وبعيدا عن هذا فحتى خطاب أوباما الأسبوع الماضي ظلت مشاركة بريطانيا متواضعة لا تتعدى الطلعات الجوية الإستطلاعية وتزويد السلاح لقوات البيشمركة.
وبالتاكيد فكاميرون يريد أكثر من هذا وما قيده هو عدم وضوح استراتيجية أوباما واستفتاء اسكتلندا، العلاقة الإشكالية مع الإتحاد الأوروبي والإنتخابات في العام المقبل يضاف إلى هذا المعارضة المحلية للمشاركة في العراق. ولكن كل هذا تغير مع انتهاء الإستفتاء وإعلان أمريكا عن استراتيجيتها وتصويت الكونغرس على خطة لتزويد المعارضة السورية، وتوسيع الحملة الأمريكية لتشمل سوريا إلى جانب العراق. ومن هنا فيجب على كاميرون البدء في حشد الرأي العام لحملة جديدة في العراق.
والملاحظ أن إصرار كاميرون على مواجهة «داعش» لم يتغير حيث قال «سنصد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام خطوة بعد خطوة، وسنفككه وفي النهاية ندمره، وسنفعل هذا بطريقة هادئة ومحسوبة وبإصرار شديد» وأضاف «سنفعل كل ما بوسعنا لصيد القتلة والتأكد من مواجهتهم العدالة مهما طال الزمن». وتشي عبارات كاميرون أن الحملة مفتوحة وطويلة. وفي خطاب لوزير الدفاع مايكل فالون أمام قوات سلاح الجو « قد نقوم في الأسابيع أو الأشهر المقبلة بحماية أرواح والمساعدة بطرق أخرى» وهذه الطرق تشمل ضغط كاميرون على المسؤولين في العراق لبناء حكومة تشاركية تضم كل مكونات المجتمع العراقي والتي قال كاميرون إنها ضرورية حتى تمثل كل البلد. ولا تختلف أهداف كاميرون عن تلك التي أعلن عنها أوباما مثل تسليح الأكراد، تحشيد الدعم الإقليمي ودعم المعارضة السورية. لكن الحكومة البريطانية لم تقدم توضيحات للرأي العام بسبب انشغالاتها التي أشرنا إليها أعلاه. فالموقف من سوريا يظل غير واضح، وكاميرون على ما يبدو غير متأكد رغم موقفه الواضح من النظام السوري «الذي إرتكب جرائم ضد شعبه وهو بهذه المثابة غير شرعي» لكن هناك عددا من الأطراف في بريطانيا تعارض توسيع الحملة لتشمل سوريا حيث يرون فيها انتهاكا للقانون الدولي. ويدعو آخرون مثل مالكوم ريفكند، وزير الخارجية السابق للتعاون مع الأسد تحت شعار «عدو عدوي هو صديقي» ولشن هجوم على معقل «داعش» في مدينة الرقة.
وبدا التشوش في السياسة البريطانية حول الموقف من سوريا عندما تحدث وزير الخارجية فيليب هاموند في مؤتمر صحافي في برلين «دعوني أكون واضحا، لن تشارك بريطانيا في غارات جوية على سوريا»، وبعد ساعات من تصريحاته علق مكــــتب كاميرون أن كل الخيارات على الطاولة. وبحسب النائب المحافظ جون بارون، عضو لجنة الشـــؤون الخارجية في البرلمان «الغارات على سوريا محفوفة بالمـــخاطر، فالفــــروق القانونية والتقنية والعسكرية بين الغـــارات على العراق وسوريا واضحة، ويجب ان تتحلى بريطانيا بالحذر».
وفي سياق الإستراتيجية الجديدة لاوباما والتي تؤكد على قيادة الحملة ولكن مع حلفاء، مما يضع بريطانيا أمام عدد من التحديات، ليس أقلها تمدد الجيش البريطاني على أكثر من جبهة، فالوحدات العسكرية لا تزال في أفغانستان، كما تعاني القوات المسلحة من أضرار بسبب خفض الميزانية العسكرية. كما ستواجه بريطانيا مشاكل في المشاركة في الغارات حيث ستنطلق من القواعد العسكرية في قبرص في رحلة طويلة فوق الأراضي التركية لضرب «داعش» في شمال العراق. ومقارنة مع الحملة على ليبيا التي شنت فيها طائرات الناتو 14.000 طلعة جوية للإطاحة بنظام معمر القذافي فمواجهة «داعش» ستكون التزاما طويلا. وفي حالة سوريا هناك مخاطر من تعرض الطائرات لمواجهة من الطائرات السورية والدفاعات الجوية للنظام.
وتختلف الحملة الجديدة عن التي قادها الناتو من ناحية تنوع عدد اللاعبين في التحالف والذين انضموا إليه لخدمة أهدافهم ومصالحهم، ومن بين هؤلاء 10 دول أعضاء في حلف الناتو وأكثر من عشر دول عربية. ولم تتضح طبيعة المهام لكل واحدة، مع أن الدول العربية استبعدت إرسال قوات للقتال إلى جانب القوات العراقية. واقترح وزير الخارجية جون كيري إمكانية توفير دول عربية مساعدة جوية.
ومن أهم المشاكل تلك التي تتعلق بالتزام بريطانيا بحرب طويلة ومفتوحة. فحتى الإدارة الأمريكية تتحدث عن خيارات مفتوحة وكلما تقدمت الحرب وجد الأمريكيون انفسهم أمام خيارات جديدة وهذا نابع من عدم وضوح الأهداف أو طموحها الزائد عن الحد. وما لم تفهمه الولايات المتحدة وحلفاءها أن «داعش» بقتله الصحافيين وعمال الإغاثة وأشرطته الدعائية الإستفزازية يعمل على جر الغرب لحرب طويلة الأمد. وفي غياب الإستراتيجية الشاملة لقطع جذورالازمة وليس فروع الشجرة فتهديد «داعش» سيظل قائما. وكما لا حظ شانشك جوشي، من المعهد الملكي للدراسات المتحدة (روسي) فاستراتيجية أوباما تضع عددا من التحديات على سياسة بريطانيا منها إمكانية تأثر السياسة الداخلية وطموح كاميرون بالفوز مرة ثانية وبأغلبية فشل في الحصول عليها عام 2010. يضاف إلى هذا إشكالية الدور في سوريا، حيث سيجد كاميرون صعوبة في إقناع البرلمان لدعم مشاركة في سوريا مما قد يدفعه للعب دور محدد في العراق. ويرى شوشي أهمية في تقديم تفاصيل حول الدور البريطاني قبل بدء نقاش عام. مشيرا إلى أن بريطانيا يمكنها لعب دور مهم في مجال التدريب والتسليح والمشاركة في المعلومات الإستخباراتية مع الجماعات المحلية التي تعتبر قاعدة للحملة الأمريكية.
ولتحقيق هذا يحتاج كاميرون لإقناع المتشككين من السياسيين مثل مينزي كامبل، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين السابق الذي دعا لمدخل شامل لا مجال فيه للخلاف بين أعضاء التحالف لأن «داعش» يريد امتحان قدرة وصمود.
وفي اتجاه آخر يجب عليه الحصول على الدعم الشعبي للحملة. وفي هذه المسألة يتمتع كاميرون بدعم شعبي خاصة فيما يتعلق بسياساته لمكافحة الإرهاب ومنع الشباب البريطاني من السفر والإنضمام ل»داعش». وحتى قبل مقتل هينز كان الرأي العام يتحرك باتجاه دعم توجه الحكومة. فحسب استطلاع اجراه «كوم ريس» لصالح صحيفة «إندبندنت» وجد أن نسبة 35٪ من المشاركين تدعم الغارات مقابل 50٪ لا تدعم. وبعد اسبوع تضاعف الدعم، ففي استطلاع اجراه معهد «أوبينيوم للأبحاث» لصالح صحيفة «دايلي تلغراف» قالت نسبة 27٪ إنها قد تدعم قوات خاصة على الأرض. وهذا يضاف لدعم نسبة 80٪ لسياساته المحلية لمواجهة المتشددين البريطانيين. واللافت للنظر أن الأقلية المسلمة التي تعتبر هدفا للإعلام بسبب سفر أبنائها إلى سوريا تقوم بسلسلة من النشاطات التي تحاول من خلالها التضامن مع موقف الحكومة، أصدر علماؤها فتوى ضد «داعش»، ودعا بعض الأئمة للدعاء للمختطفين خاصة هينينغ، وقام ناشطون بحملة «هاشتاغ: ليس باسمي»، ودعا قادة المسلمين الإعلام التوقف عن الربط بين «داعش» والإسلام، ومن هنا فأي حملة على العراق وربما سوريا ستجد دعما ضمنيا من المسلمين على خلاف موقفهم المعارض من غزو العراق عام 2003.
وفي النهاية قد يحصد كاميرون من مشاركته في الحرب ضد «داعش» منافع فسيتمكن من الزعم أن قيادته الحاسمة لعبت دورا في هزيمة جماعة خطيرة، كما أنها ستحرف الإنتباه عن القضايا الحساسة مثل الهجرة وأوروبا حيث يواجه حزب المحافظين ضغوطا من حزب الإستقلال البريطاني. وكما أشرنا فاستمرار الحرب على «داعش» حتى موعد الإنتخابات العامة في أيار/مايو العام المقبل تحمل معها مخاطر أخرى.
إبراهيم درويش