ماذا يحصل بين تركيا وأمريكا؟

حجم الخط
0

في كانون الثاني/يناير 1947 تلقى الأتراك مساعدات طارئة من الولايات المتحدة. تحت ضغط متعاظم من الإمبراطورية السوفياتية متعاظمة القوة، علقت تركيا واليونان بضائقة، فقرر الرئيس هاري ترومان المساعدة، ليس سخاءً، أو ربما سخاء، ولكن بالأساس حساب للمصالح. فقد كانت اليونان وتركيا أول من استعان بالولايات المتحدة، وبعدهما جاءت كل دول أوروبا الغربية، فانطلقت الخطة التي تعرف بـ «مشروع مارشل»، التي بعثت ووثقت الحلف الأطلسي بقدر كبير، وانطلقت على الدرب، فصد الشيوعيون.
كثير من المياه تدفقت منذئذ في البوسفور، وعلاقات الولايات المتحدة وتركيا شهدت حالات من الصعود والهبوط، وغير قليل من الانعطافات الدراماتيكية. في بداية الستينيات، في زمن أزمة الصواريخ في كوبا، تاجر الأمريكيون مع الروس بالصواريخ النووية التي نصبت على الأراضي التركية. فقد أزال الروس التهديد الكوبي، وكان الأمريكيون، دون الاعتراف بالطبع بأن هذه صفقة، أزالوا التهديد التركي. ولكن تركيا كانت في حينه، ولا تزال اليوم أيضًا، دولة محور مهمة للأمريكيين؛ فهي تحاذي سوريا الممزقة بالحرب الأهلية، والعراق الذي غزاه الأمريكيون في العقد الماضي، وإيران التي هي في مواجهة مع الأمريكيين الآن، والبحر الأسود الذي في جانبه الآخر شبه جزيرة القرم وأوكرانيا ـ أي لا تزال بؤرة المواجهة الروسية الأمريكية.
وتفصيل صغير آخر: في حلف الناتو، تحتفظ تركيا بالقوة العسكرية الثانية في حجمها من أصل 29 دولة أعضاء. صحيح أنها مجرد ظل للإمبراطورية العثمانية، ولكنها مع ذلك قوة يجب أخذها بالحسبان.
ثمة أزمة الآن: الليرة التركية تهبط، ليس بسببها فحسب. والرئيس دونالد ترامب يغرد تهديدات، ليس تلميحًا تمامًا، فيجد أمامه أحد الزعماء الوحيدين في العالم الذي يعرف كيف ينافس بفظاظة الروح اللفظية، رجب طيب اردوغان. الأمريكيون يفرضون عقوبات اقتصادية، والاتراك يسمون هذا سكينًا في الظهر، ويعدون ألا يستسلموا. قال اردوغان: «لديهم دولارهم، ولكن لنا شعبنا وربنا».
الرب في هذه الأثناء، على ما يبدو، لا يتدخل في أسواق العملة، أو ربما يتدخل ولكن ليس لأجل إنقاذ الأتراك. فمخططات التنمية في تركيا ألزمتها اقتراضًا غير قليل من المال، التي هي مدينة به للبنوك الأوروبية. وهذه البنوك ترى الليرة تهبط، ويتساءلون عن كيفية تسديد أموالهم. أما اردوغان، الملتزم بالوعد الذي قطعه لسبب ما، فيرفض الإقرار للبنك المركزي التركي رفع الفائدة كي يوقف انخفاض سعر العملة. ويتبين أن ترامب ليس وحده الذي يلتزم بوعوده لناخبيه، بل اردوغان يلتزم بها أيضًا. وفي هذه اللحظة لا مخرج من الأزمة. الزعيمان يقفان عاليًا على السلم، ويرفضان النزول.

المشكلة من المنفى

سبب الأزمة؟ هنا يمكن البدء من النهاية إلى البداية أو من البداية إلى النهاية. إذا بدأنا من النهاية، فإن السبب الفوري هو رجل الدين الأمريكي الذي يسمى آندرو برنسون؛ فقد اعتقله الأمريكيون قبل سنتين بدعوى ـ ومن يدري إن كانت صحيحة ـ أنه شارك في محاولة الانقلاب ضد اردوغان. أما ترامب فوصفه بأنه «مسيحي رائع، رجل عائلة، إنسان عظيم». هو ونائبه، مايك بينس، يتعرضان لضغط جماعة مهمة من ناخبيهم لعمل شيء ما لتحرير برنسون. إذا أدانته المحكمة بالجرائم المنسوبة إليه فقد يقضي عقدين ـ ثلاثة عقود في السجن التركي، الأمر الذي لا يستعد ترامب أن يتصوره على الإطلاق.
ماذا فعل برنسون؟ فهذا وزير الخارجية مايك بومباو يقول إنه لا توجد أدلة ضده. ابنة المعتقل تقول إنه أداة لعب سياسية في أيدي الأتراك. الأمريكيون يريدون برنسون، ولكن للأتراك مطالبهم أيضًا، وأهم مطلب عندهم هو تقديم رجل الدين فتح الله غولن إلى المحاكمة بتهمة أنه يقف خلف المحاولات المتكررة لضعضعة حكم اردوغان. غير أن غولن يعيش في أمريكا منذ سنوات عديدة، ولا يتصور الأمريكيون تسليمه لجهاز القانون التركي. وعلى هذا بالضبط يحتج الأتراك: أعطونا غولن نعطكم برنسون. وهم يطرحون شيئًا أكثر من التلميح، وفي هذه الأثناء يسندون تلميحهم بالأفعال. ورغم الضغط الأمريكي بالأقوال وبالأفعال، ورغم الانخفاض في سعر العملة والمخاوف في الأسواق المالية مما سيحصل في تركيا، يرفض اردوغان التراجع، ويرفض تحرير ورقته الأمريكية.
هذا كما أسلفنا هو وصف للحالة من النهاية إلى البداية، الذي يمكن أن نقدم له بديلاأيضًا: من البداية إلى النهاية، وربما ليس حقًا من البداية، إذ لا يمكنك أن تعرف كم خطوة عدت إلى الوراء، ولكن على الأقل من الوسط البعيد جدًا. لنقل عقد ونصف إلى الوراء. عمليًا، وعلى مدى هذه الفترة على الأقل، لم تكن علاقات الولايات المتحدة وتركيا سليمة تمامًا؛ فهذا هو الرئيس الثالث على التوالي الذي يقف أمام الحاجة إلى توجيه علاقات مركبة مع دولة تثير أعصابه. فقد وجد جورج بوش صعوبة شديدة مع الأتراك في طريقه إلى حرب العراق. وكانت أسئلة تتعلق بإمكانية أن تعمل القوات الأمريكية من الأراضي التركية، طائرات تنطلق من الأراضي التركية. وبعد ذلك كانت أسئلة تتعلق بوضع الأكراد في العراق وقدرة الأتراك على أن يوافقوا بلا احتجاج على تعاظم قوة الأقلية التي يرون فيها خطرًا على سلامة تركيا.
فردد بوش غير مرة في مسألة العلاقة الصحيحة مع تركيا. وفي منتصف ولايته تقريبا اجتمع بعض من مستشاريه الكبار للبحث في كيفية الرد في حال إسقاط ضباط أتراك الحكم الديمقراطي الذي هو إسلامي أيضًا. وانقسمت المواقف وفقًا للمفتاح التالي تقريبًا. رجال مكتب نائب الرئيس ريتشارد تشيني كانوا يميلون إلى تأييد الضباط المترددين في إمكانية التمرد. أما في وزارة الدفاع وفي مجلس الأمن القومي فلم يكن هناك موقف موحد. لكنه كان لوزارة الخارجية موقف مصمم وقاطع، كان هذا موقف كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية في ولاية بوش الثانية. ومثلما حصل معها أيضًا بالنسبة إلى لبنان، في عهد حرب لبنان الثانية، اقنعت رايس الرئيس بأنه لا يمكن انتهاج سياسية ثنائية الوجه. لا يمكن الإعلان بتأييد الديمقراطية وبعدها تأييد انقلاب ضد الديمقراطية، لأن هذه ليست ديمقراطية مريحة تمامًا. واعتقدت رايس بأن تركيا هي نموذج الديمقراطية الإسلامية، وهذا ليس مريحًا دومًا لأمريكا، ولكن هذا هو الموجود. وإذا كان الرئيس يؤمن بأن على الشرق الأوسط أن يكون ديمقراطيًا فإن عليه أن يوضح للضباط الأتراك بأنه لن يؤيدهم.

خلافات وعوائق

بعد بوش، جاء أوباما؛ هو لم يغز العراق، ولكن الأتراك أصابوه هو أيضًا بأوجاع الرأس. الأسطول التركي إلى إسرائيل وآثاره كانت عائقا، ومحاولات الوساطة التركية مع إيران كانت مزعجة. في مرحلة معينة صوتت تركيا أيضًا ضد العقوبات على إيران في مجلس الأمن، واعتقد بعض كبار المسؤولين في إدارة أوباما أن هذه وقاحة تحتاج إلى الرد. ولكن أوباما لم يكن رئيس ردود فعل وعقوبات، بل رئيس حوار، ولم يكن مثل ترامب أو مثل اردوغان، ولا حتى الإصرار بالإيفاء بالوعود التي أطلقها في فترة الانتخابات كان يميزه. في 2009 زار تركيا دون أن يحدث أمواجًا كثيرة. كانت هذه فرصة للإيضاح بأنه لن يفي بوعد واحد، فقد قال عندما تنافس على الرئاسة «إني رئيسًا، سأعترف بالكارثة الأرمنية». ولكن عند زيارته تركيا دعا الأتراك والأرمن إلى أن يحولوا نظرتهم من الماضي إلى المستقبل.
واصلت تركيا وضع العوائق في إطار الحرب في سوريا. مرة أخرى، مصلحتها في الأكراد ورفضها أن ترى فيهم شركاء في الصراع ضد الدولة الإسلامية كانت في تناقض مع السياسة الأمريكية. ومع الزمن هبطت أيضا مكانتها الجماهيرية. قد يكون اردوغان رئيسا شعبيا في بلاده، ولكنه لم يحسن صورتها في باقي العالم. وبالمناسبة، فإن صورة أمريكا بين الأتراك ليست عالية على نحو خاص؛ فقد هبطت إلى أسفل الدرك في عهد بوش، وتحسنت في عهد أوباما، ثم هبطت مرة أخرى، مثلما في باقي العالم باستثناء إسرائيل وروسيا، في عهد الرئيس ترامب. فهل هبوط العملة والأزمة الاقتصادية سيدفعان الأتراك إلى اتهام رئيسهم أم رئيس القوة العظمى الأخرى؟ من الصعب أن نعرف. ما يبدو مؤكدًا هو أن الاحتكاكات يمكن أن تحتدم أكثر.
في الشهر الماضي طرحت في الكونغرس أسئلة عن شراء تركيا طائرات اف 35، وأطلقت تهديدات بوقف نقل الطائرات بسبب سياسة تركيا. وشكل استمرار اعتقال برنسون سببًا لبعض من المطالبين بالتساؤل حول نقل الطائرات. وطولب وزير الدفاع جيمز ماتس بأن يبلغ الكونغرس عن «وضع العلاقات مع تركيا» في تشرين الثاني/نوفمبر القادم. إذا أخذ الكونغرس الانطباع بأن الوضع متهالك، مثلما غرد ترامب دون تردد، فإن خطوات العقاب والمقاطعة ستطرح على طاولة المداولات. وهكذا فإن ترامب قد يجد نفسه في الجانب المفاجئ، جانب من يطلب من الكونغرس (وفي السنة القادمة ربما كونغرس ديمقراطي) ألا يبالغ.

معاريف 15/8/2018

ماذا يحصل بين تركيا وأمريكا؟
علاقات البلدين شهدت حالات من الصعود والهبوط وغير قليل من الانعطافات الدراماتيكية
شموئيل روزنر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية