ماذا يحمل المستقبل : تنظيم «الدولة» على الحدود

حجم الخط
0

سيطر تنظيم الدولة في ليبيا الثلاثاء 6/9/2015، على محطة الخليج البخارية لإنتاج الكهرباء في مدينة سرت، بعد انسحاب الكتيبة 166 إلى منطقة الخمسين غرب المدينة. وقال مصدر أمنى «إن داعش سيطر على المحطة بعد اشتباكات مسلحة مع الكتيبة 166 المسؤولة عن تأمين المدينة». هذا آخر ما حملت الأخبار إلينا علي تنظيم الدولة الذي بدأ يتمدد في ليبيا بشكل كبير.
وتحدثت أيضاً مصادر ليبية عن سقوط «جزء كبير من المنطقة الوسطى في ليبيا» بقبضة تنظيم الدولة، وذلك في إطار سعي التنظيم لتوسيع رقعة نفوذها في هذا البلد ونقل موقع «بوابة الوسط» عن مصادر في مدينة سرت قولها إن التنظيم فرض سيطرته مجددا على المنطقة الممتدة من معقله في مدينة النوفلية حتى مشارف هراوة. وكان التنظيم قد بسط سيطرته على النوفلية ودرنة وسرت وجزء من مدينة بنغازي، مستغلا خوض الجيش نزاعا مع الميليشيات التي صنفها البرلمان «إرهابية»
إن الانتكاسات التي عانتها الدولة الإسلامية خلال الشهور القليلة الماضية كالهزيمة في كوباني الكردية وخسارة مدينة تكريت العراقية أعطت الانطباع بقرب نهاية الدولة الإسلامية، ولكن مثل هذا التفاؤل هوعلى الأغلب سابق لأوانه، إذ قد تكون الدولة الإسلامية قد فقدت العديد من مقاتليها إلا أنها توسعت في سوريا.
بدأ التنظيم رؤية جديدة وهي إن التوسع الاستراتيجي وفتح جبهة ليبيا بشكل أكبر هومطلب آني، وذلك بسبب زيادة الضغط على التنظيم في العراق وسوريا رغم إحرازه الانتصارات الأخيرة، لكن القيادة تدرك أنه كلما توسعوا على الأرض سيزداد الضغط عليهم، لذا كانت الحاجة لفتح جبهة قتال جديدة تهم الغرب وبالتحديد أوروبا وهي نقطة ليبيا الحساسة الأقرب إلى دول الجوار الأوروبية.
ومن المعروف إن بداية نشأة التنظيم عندما أعلنت مجموعة مسلحة في شرق ليبيا بالتحديد في مدينة «درنة» أواخر عام 2014 انشقاقهم عن كتائب ثوار ليبيا ومبايعتهم لأبوبكر البغدادي زعيم «تنظيم الدولة» المسمى بالخليفة، وخرجت المجموعة في موكب بوسط مدينة درنة، حيث تم تغطيته إعلاميًا ونشر صوره، معلنين بذلك ولاءهم لتنظيم الدولة كانت هذه بداية الحديث عما يسمى ولاية ليبيا التابعة للدولة الإسلامية، حيث أخذت عناصر تابعة لهم بتبني عمليات عسكرية في مختلف أنحاء ليبيا، من غير أن يعرف أحد حقيقة تواجد التنظيم على الأرض ومدى قوته وتأثيره في الصراع المحتدم في ليبيا. وبالرغم من إن أنشطة التنظيم في نشأته كانت مقتصرة على الدعوة وتجنيد الأنصار فقط، ففي إقليم برقة كانت تقتصر على الدعوة والخدمات الطبيية للأهالي، وكذلك كان الحال في بنغازي حيث الاهتمام بالمساعدات الإنسانية، مع الإقلال من الدخول في النزاعات المسلحة.
عدد المنتمين لتنظيم الدولة في ليبيا غير واضح حتى الآن، ولكن النواة المتواجدة في ليبيا الآن تجاهد في سبيل السيطرة على أكبر مساحة من الأرض لجذب مزيد من الأنصار في ظل الصراع الدائر بين برلمان طبرق وحكومة المؤتمر الوطني، وربما يستهدف التنظيم السيطرة على مناطق نفطية ليكون ظهيرًا اقتصاديًا كما هوالحال في العراق وسوريا، ويعتقد أنه في ظل الفراغ السياسي الذي تعاني منه ليبيا فإن فرص تمدد التنظيم داخل المدن الليبية كبيرة.
قسم تنظيم الدولة ليبيا إلى ثلاث ولايات، الأولى ولاية برقة، والثانية ولاية طرابلس، والثالثة ولاية فزان، ولكن سكانا محليين يؤكدون أن عناصر التنظيم لا يظهرون في المدن بشكل دائم لعدم شعورهم بالأمان أوبوجود حاضنة شعبية كافية.
بدأ التنظيم في لفت الأنظار إلى نفسه بتنفيذه عدة عمليات كانت أبرزها ذبح 21 مصريًا مسيحيًا بعد اختطافهم، وقد بث التنظيم مقطعًا مصورًا بهذه الواقعة كنوع من استعراض القوة، وعلى إثر ذلك قامت مصر بقيادة عمليات عسكرية ضد قوات «فجر ليبيا» التابعة للمؤتمر الوطني تحت هذه الذريعة، لم يلبث التنظيم أن اختفى حينًا حتى ظهر بمقطع مماثل لذبح المواطنين المصريين، لكن هذه المرة ذبح 28 مواطنًا إثيوبيًا
ومنذ بداية تنفيذ الإستراتيجية الجديدة بدأ فرع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بالتوسع على الأرض تزامنًا مع خوض التنظيم معارك فاصلة في العراق والشام، فبعد السيطرة على مدينة سرت الليبية، والدخول إلى بعض أحياء مدينة درنة، يحاول التنظيم الآن التقدم باتجاه مصراته بعد نشاطه الفعال في إقليم برقه، وانطلق شرق مصراته باتجاه بلدة «حراوه» وسيطرت عليها أمام أعين كتائب موالية للمؤتمر الوطني، لكن يبدوأن المعارك بين قوات فجر ليبيا والكتائب الموالية لها أمام قوات حفتر قد شغلتها عن الانتباه لتحركات التنظيم التي اتخذت شكلًا توسعيًا هذه الأيام.
التنظيم استولى على قاعدة جوية قرب مدينة سرت منذ شهر عن طريق عملية عسكرية نفذها مسلحوه، وقبل ذلك في شباط/فبراير الماضي بدأ في بسط نفوذه على عدد من المؤسسات الحكومية في المدينة، تمهيدًا للسيطرة عليها بالكامل وهوما قد كان، حتى أن التنظيم بات الآن يسيطر على مصدر المياه العذبة وشبكات ضخها لبقية المدن الليبية، وهوما يعكس طبيعة تطور نفوذه في ليبيا عن السابق
بعدها خطط التنظيم لفتح جبهة تلوالأخرى بالدخول في نزاعات مسلحة مع قوات موالية للمؤتمر الوطني الليبي في أكثر من مكان، معتمدًا على تكتيكات حروب العصابات أمام هذه القوات، وهوما حذر منه قادة الكتائب المقاتلة في مصراتة والتي استهدفهم التنظيم بعملية انتحارية أسقطت خمسة قتلى.
لابد من ذكر أن التنظيم يعاني من منافسات جهادية مع غيره من التنظيمات المحسوبة على التيار الجهادي القاعدي كجماعة أنصار الشريعة المنضمة إلى قوات فجر ليبيا، بينما يرى تنظيم الدولة أن الانضمام تحت لواء قوات فجر ليبيا التي يقودها الإخوان في ليبيا غير جائز وشيء مشين بين الجهاديين، وعلى هذا قام التنظيم بتبني خطاب مضاد هجومي على قوات فجر ليبيا مع تحاشي الاشتباك المباشر معها حتى الآن إلا في أحيان قليلة بسبب قوة النفوذ العسكري لعملية فجر ليبيا في كثير من المناطق، إلا أن هذا الأمر يستفز عناصر أنصار الشريعة التي يعمل التنظيم على تجنيدهم لما بهم من تقارب فكري مع عناصر داعش.
الأمر بالنسبة للتنظيم في ليبيا استراتيجي إلى حد كبير، فالدولة بحالها الآني فرصة لن تتكرر لانتشار التنظيم وبسط نفوذه في وسط حالة الفوضى التي يجيد التنظيم استغلالها والتمدد باستخدامها، والآن مع التجهيز لحملات دولية آخرى لمحاربة التنظيم في العراق والشام ينظر التنظيم إلى ليبيا باعتبارها بوابة استراتيجية يمكن الهروب إليها في حال انهيار دولتهم في الرقة والموصل، والبيئة الليبية سوف توفر لهم الملاذ الآمن والتمدد المطلوب الذي سيهدد الغرب عبر أوروبا وسيؤمن الاتصال بالداخل الإفريقي عبر تشاد والسودان، وكذلك سهولة الوصول إلى مصر، وكبوابة للمغرب العربي.

محمود طرشوبي – كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية