ماذا ينقص محمد صلاح ليفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم؟

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: خلط محمد صلاح أوراق لعبة اختيار أفضل لاعب في العالم، برسائله المُرعبة للثنائي الأفضل في العقد المنقضي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، التي وصلت لحد التجرؤ عليهما في السجل التهديفي، متفوقا على الأول في إحصائية التسجيل في مختلف المسابقات، وعلى الثاني في صراع هدافي الدوريات الأوروبية الخمسة للفوز بجائزة الحذاء الذهبي، ليُجبر الإعلام العالمي على بدء الحديث عن دخوله القائمة المختصرة سواء لأفضل لاعب من الفيفا (The Best) أو كرة مجلة «فرانس فوتبول» الذهبية.
قبل التطرق لما يحتاجه صلاح لإنهاء زمن ليو والدون. دعونا لا ننسى ما فعله مساء الثلاثاء، بإظهار شخصية الصديق القاتل أمام فريقه السابق روما، بطريقة أكثر قسوة وحشية مما فعله صاروخ ماديرا أمام مانشستر يونايتد في دوري أبطال أوروبا عام 2014، نعم هو الثبات الانفعالي وعدم التركيز على أي شيء سوى الـ17 مترا (طول المرمى وعرضه)، رغم أنه قبل يومين فقط، قضى سهرة صباحية احتفالاً بتتويجه بجائزة أفضل لاعب في إنكلترا من رابطة اللاعبين المحترفين، وهذا يعكس لنا مدى النضج والعقلية التي وصل إليها، ما شاء الله تشعر وكأنه «ريبوت» أو لاعب «بلاي ستيشن» مُصمم بمواصفات قياسية في الهجوم، تّحول فجأة لوحش كاسر، بتجسيده للمقولة الشهيرة «علمته الرماية ولما اشتد ساعده رماني»، وصلاح لم يكتف برماية زملاء الأمس، بل قصم ظهرهم بدون شفقة أو رحمة ولا حتى بلسانه «صان العيش والملح» مع ناديه القديم، بتسجيل هدفين وصناعة مثلهما، وبث حالة من الرعب داخل مدافعي ولاعبي وسط روما بدون استثناء، لم تنته إلا لحظة استبداله بالإنكليزي داني إنغز في آخر 18 دقيقة، والنتيجة 5-0.
المستوى الخيالي الذي ظهر عليه نجمنا العربي أمام ذئاب العاصمة الإيطالية، دليل جديد على أن سقف طموحه في الغالب لن يتوقف على جوائزه المرموقة الأخيرة، ولو نتذكر الأسبوع الماضي، أشرنا إلى حاجة عالم كرة القدم بوجه عام، لبطل قادر على وقف هيمنة الثنائي الأرجنتيني البرتغالي على كل الجوائز الفردية على مدار العشرية الأخيرة، وكما توقعنا، ذهبت جائزة (PFA) لمن يستحق، والشيء الرائع حقا والمُثلج لصدرنا كعرب، أنه في مباراته الأولى بعد استلامه الجائزة، بدا وكأنه يبدأ لتوه من الصفر، بالكاد نتحدث عن ملامح العقلية التي وضعت رونالدو وميسي في مكان وبقية من مروا على ملاعب كرة القدم في مكان آخر، مع غريزة الهداف القادر على التسجيل من ربع فرصة، والتعامل مع الانفراد أو الفرصة على أنها مسألة حياة أو موت، تقريبا هذا ما يفعله الدولي المصري مع الريدز في الآونة الأخيرة، فقط «باصي لصلاح» بالقرب من منطقة الجزاء، استمع إلى «آهات» الآلاف في المدرجات وانتظر هزة أرضية يشعر بها سكان مدينة ليفربول وكل ضواحي مصر من الشمال للجنوب.
وكما نعرف لغة الأرقام عادة لا تكذب، فهو لمس الكرة 26 مرة أمام روما، 4 مرات منهم محاولات بين القائمين والعارضة، سجل اثنين وأنقذ الحارس إليسون واحدة ببراعة يُحسد عليها، والأخرى تعامل معها بسهولة، أضف إليها تمريرتين حاسمتين والمساهمة في خمس فرص!
الشاهد وأقل ما يُمكن قوله أن صلاح افترس ناديه السابق وجلد جلد، وهناك من يرى أن المدرب الألماني يورغن كلوب أخطأ بالتسرع في استبدال هدافه بالهداف العائد من إصابة سيئة جدا، والبعض الآخر يرى أنه أصاب الهدف، وشخصيا أميل للرأي الثاني، فهو يعرف أن الظاهرة اُستنزف ذهنيا وبدنيا طوال الأسبوع ما بين إشباع جوعه بتسجيل هدف يوم السبت للحفاظ على مكانه في صدارة هدافي الدوري والدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، ثم التفكير في منافسة دي بروين على الجائزة، وبعدها فعل كل شيء في كرة القدم على مدار 72 دقيقة، تحت ضغط لا يُصدق في مباراة وصفها الوحيد «عاطفية من الدرجة الأولى»، ومنطقيا كان لا بد من استبدال صلاح في هذا التوقيت، حفاظا على سلامته قبل أي شيء، خاصة بعد انضمام أليكس تشامبرلين لقائمة الغائبين لنهاية الموسم، كما يعرف متابعو كرة القدم، في هذا التوقيت من الموسم، يزداد شبح الإصابات العضلية من ازدحام جـــدول المبــاريات قبل كــأس العالم، والمدرب الذكي فقط هو من يُحــسـن تطبيق نظام «المداورة»، الذي أبدع فيه زيدان مع ريال مدريد على مدار العامين الماضيين.
ويبدو أن كلوب فهم قواعد اللعبة كما ينبغي وبزيادة، حتى تغيير صلاح الذي تسبب في انقلاب بعض النقاد والجماهير عليه، ستُثبت الأيام سريعا أنه كان مُحقا في قراره. كيف؟ لنا مثلاً أن نتخيل أنه استمر في اللقاء وتمكن صلاح من قتل المباراة بهدف سادس، لكن قبل النهاية بدقيقتين تعرض لإصابة! ماذا سنقول في نفس واحد؟ قولاً واحدا كنا سنتحسر وسنُلقي اللوم على المدرب، نعم وقتها قد يكون قد حسم معركة نصف النهائي، لكنه في لحظة كان من الممكن أن يفتقده لنهاية الموسم ويحدث السيناريو الذي لا يتمناه أحد، ولو نظرنا من الناحية التكتيكية بعيدا عن الافتراضية المحتملة وغير المحتملة، فالحق أن المدرب دي فرانشيسكو استفاق من سباته بالفعل قبل خروج صلاح بأكثر من دقيقتين، شاهدنا خلالها تغير تام في الأداء، بعد مشاركة بيروتي وغونالونس على حساب القائد دانيلي دي روسي وخوان خيسوس، هنا تغيرت الطريقة من 3-4-2-1 لـ3-4-1-2، بالاعتماد على بيروتي بجانب دجيكو داخل صندوق العمليات، أعتقد أن في هذا التوقيت بالذات، أدرك كلوب أن المباراة بدأت تتحول في الاتجاه الآخر، ففضل إراحة نجمه وهو في لحظة تاريخية، في الوقت الذي يعرف فيه المدرب أن الفريق سيتعرض لضغط هائل في الدقائق المتبقية بوجود صلاح أو بدونه مع تَحمل أي تبعات من محاولة إيقافه عن نثر إبداعه بالطريقة المعروفة عن المدافعين الطليان، لذا يُمكن القول بأن كلوب قرر التضحية بجزء من المعركة وهو في أوج انتصاره، حتى يستكمل المذبحة في مباراة الإياب كما هو مُخطط. عموما، سواء اتفقنا أو اختلفنا على تغيير صلاح، فالجدل يعكس مدى تأثيره بطريقة جعلت وسائل الإعلام العالمية تُقارن بين تأثيره على ليفربول وتأثير نيمار مع باريس وكذا رونالدو وميسي مع الريال والبارسا، أي كتف بكتف مع «السوبر» الأقرب لدخول القائمة الذهبية، سيناريو فاق خيال السينما المصرية، والنهاية السعيدة لم تَعد بالأمر المستحيل، فقط يحتاج أن الحفاظ على هذا المستوى، ويختم الموسم على صدارة هدافي الدوري الإنكليزي، مع ضمان الحذاء الذهبي، إذا فعل ذلك، سيكون بنسبة تزيد على 60٪ قد ضمن التواجد في القائمة المختصرة كأفضل لاعب في العالم.
من أهم الأشياء التي يحتاجها صلاح في صراعه مع رونالدو وميسي ونيمار، أن يفشل الثلاثي مع منتخبات بلادهم في الفوز بكأس العالم، ويكون حسم لقب دوري أبطال أوروبا مع ليفربول، هنا ستتساوى الرؤوس بصورة كربونية من سيناريو 2010، عندما كان أندرياس إنييستا وويسلي شنايدر أقوى وأبرز المُرشحين للفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم، وبدون سابق إنذار، ذهبت إلى ميسي، والآن وبعد ثماني سنوات من هذه الواقعة قامت صحيفة «فرانس فوتبول» بالاعتذار للرسام، لعدم حصوله على الجائزة آنذاك بسبب ما وصفته «مساوئ الديمقراطية»، لكنها قدمت له وعدا بالحصول عليها إذا ساهم في فوز إسبانيا بكأس العالم، وهي إشارة واضحة إلى أن المعايير قد تتغير هذا العام، على الأقل من باب التغيير إذا ظهر من هو أحق من رونالدو وميسي، والآن بعيدا عن العاطفة تجاه صلاح، فهو بالفعل يُشكل أكبر وأخطر تهديد عليهما، والأمر لا يتعلق بأرقامه التي تُقارن بأرقام الثنائي، بل أيضا في الهالة الإعلامية المُسلطة عليه، هذه المرة لا يواجه رونالدو وميسي لاعب يحظى بشعبية لا بأس بها في بلده في أوروبا، بل لاعب تُدعمه دولة وشعوب، وأصبح «علامة تجارية» في وقت قصير جدا. فقط ننتظر منه الاستمرار على ما هو عليه، ليجني ثمار تعبه ومثابرته في يناير المقبل، وإلى الآن يُمكن القول أن فرص وجوده في القائمة المختصرة تقترب من 30 لـ40٪، بخلاف نسبة تصويت الجماهير على جائزة الفيفا التي تُمثل نحو 25٪ من معايير اختيار الفائز، وكما نعرف النسبة مُقسمة بالتساوي بين الجماهير والصحفيين ومدربي وقادة منتخبات العالم، وهذا أمر سيُعزز فرصه أكثر، بعدما تأكدت إسبانيا والبرتغال أن صلاح لا يخسر أي استفتاء جماهيري حتى لو كان منافسه رونالدو، لذا يُراودني شعور أن حلم أول لاعب عربي يفوز بجائزة الأفضل في العالم لم يَعد مستحيلاً، حتى إن تجرع من مرارة كأس «مساوئ الديمقراطية» مثل إنييستا هذا العام، فبهذه العقلية سيكون الوريث الشرعي لتسلم الراية من الثنائي الأفضل عالميا في المستقبل القريب، كما قال رئيس اليويفا بنفسه ألكسندر تشيفرين الأسبوع الماضي، فهل سنشهد هذه اللحظة فعلاً؟ مع صلاح لم يَعد هناك أي شيء مستحيل.

ماذا ينقص محمد صلاح ليفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم؟

عادل منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية