ماذ يعني وقف إطلاق النار في جنوب سوريا؟

حجم الخط
2

تتشابه الولايات المتحدة والإرهاب في أمر واحد على الأقل: كلاهما موجود، مباشرة أو مداورة، في كل مكان على كوكب الأرض. لعلهما الأوسع والأثقل والأخطر وجودا في عالم العرب من اي مكان آخر.
هما مشتبكان حينا ومتعاونان حينا آخر، لكنهما يتسببان دائما في افتعال مشكلات وأزمات تُفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدان عدة. أليس هذا واقع الحال في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن ومصر، ناهيك عن أقطار مرشحة إلى حالٍ مماثلة كالبحرين والجزائر وتونس والسودان؟
بسببٍ من تدخلاتٍ وحروب عسكرية قامت بها الولايات المتحدة، وعمليات ارهابية وممارسات وحشية تولاها «داعش» و»النصرة» وأمثالهما في البلدان المذكورة، انجذبت بدوافع شتى دولٌ وأطراف اخرى إلى ساحات الصراع، ما زاد المشكلات والأزمات المحتدمة تعقيدا وعنفا. وفي محاولات حثيثة للتغطية على سوء الافعال المرتكبة ومفاعيلها الأكثر سوءا، لجأت الولايات المتحدة وغيرها من اطراف الصراعات المتناسلة في عالم العرب، إلى عقد الاجتماعات والمؤتمرات الهادفة ظاهرا، إلى معالجة المشكلات والازمات المحتدمة، وباطنا إلى التوصل إلى معادلات وتسويات من شأنها الحفاظ على النفوذ والمصالح وتعزيزها.
في هذا الإطار، عُقد مؤتمر أستانة الاخير من دون التوصل إلى نتائج إيجابية. يعزو معظم الاطراف المشاركين فشل المؤتمر إلى سلوكية تركيا، التي تحاول اجتياح منطقة عفرين في شمال غرب سوريا، بدعوى الحؤول دون ضمها إلى مناطق في شرق البلاد تسيطر عليها تنظيمات كردية تبتغي إقامة حكم ذاتي فيها، وصولا إلى تحقيق طموح قديم: إقامة دولة كردية تضم اكراد تركيا وسوريا والعراق وايران.
الولايات المتحدة تلعب لعبة مزدوجة، تراعي من جهة، تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، التي تحتضن قاعدة جوية (انجرليك) للحلف المذكور، وتمول وتسلح من جهة اخرى، التنظيمات الكردية السورية المعادية لتركيا. فوق ذلك، أقامت الولايات المتحدة في شمال سوريا 7 قواعد عسكرية وجوية ونشرت قوة من مشاة البحرية مزودة أسلحة ثقيلة، بدعوى مساندة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية الناشطة من اجل استخلاص الرقة من ايدي «داعش».
بدأت التدخلات الامريكية في التاريخ المعاصر اثناء ولاية الرئيس السابق باراك اوباما، لكنها توسعت كثيرا مع بداية ولاية خلفه دونالد ترامب، الذي لم يكتفِ بنشر قوة امريكية ثقيلة التسليح في منطقة التنف السورية لعرقلة وصول الجيش السوري إلى الحدود السورية – العراقية بغية الالتقاء مع الجيش العراقي، ثم اردفت ذلك بقصف قاعدة الشعيرات الجوية السورية بصواريخ «توماهوك» بدعوى الاقتصاص من دمشق، لقيامها المزعوم باستعمالٍ أسلحة كيميائية في منطقة خان شيخون بمحافظة ادلب. الى ذلك، اعلن ترامب خلال زيارته وارسو (بولونيا) تصديه لروسيا وايران في سوريا، متهما الدولتين بزعزعة الاستقرار فيها.
ليس غريبا، والحالة هذه، أن تقرر موسكو (بالتفاهم مع دمشق) تعزيز قوتها الجوية في سوريا، بوضع بروتوكول يتضمن بنودا تحدد مسائل انتشار المجموعة الجوية الروسية وممتلكاتها على الاراضي السورية. بعض المراقبين فسر هذا الإجراء بأنه اشارة إلى اطالة الوجود العسكري الروسي في سوريا، ازاء تصعيد الانتشار العسكري الامريكي في ربوعها.
في جنوب سوريا، تتربص «اسرائيل» بالجيش السوري وحلفائه، ولاسيما حزب الله، كما تتخوف من تحريك ايران مجموعات من «فيلق القدس» إلى مناطق قريبة من الجولان المحتل، بغية المشاركة في مجهود يرمي إلى تكوين مقاومة سورية فاعلة تساندها القوى المشار اليها آنفا. في المقابل، تسعى «اسرائيل» إلى دعم كوكتيل من الفصائل السورية الارهابية و»المعتدلة» لإقامة جيب على طول حدود الجولان المحتل لتأمين مشاركة أتباعها في المفاوضات حول المستقبل السياسي لسوريا، بعد وقف اطلاق النار. غير أن سؤالين ينهضان بعد لقاء ترامب وبوتين في قمة العشرين: هل تلتزم «اسرائيل» فعلا وتُلزم الفصائل الإرهابية الموالية لها باتفاق القطبين الأمريكي والروسي على وقف اطلاق النار في ساحات جنوب سوريا المحاذية للجولان المحتل؟ وهل يعني التزامها وجود تفاهم ضمني بين القطبين على إقصاء المقاومة وحلفائها عن منطقة الجولان؟
يتحصل من هذا العرض الموجز لواقع الحال في مختلف الساحات السورية، أن خمس دول تتدخل وتتنافس وتتصارع فيها وعليها: امريكا وروسيا وتركيا وايران و»اسرائيل»، وأن لكل منها مصالح وأغراضا تسعى إلى تعزيزها وحمايتها، وان مشكلات وأزمات تنشأ عن هذه الصراعات، وأن من شأن إصرار امريكا وتركيا و»اسرائيل» على نشر قوات داخل سوريا، من دون إذن وترخيص من حكومتها، يشكل انتهاكا لأحكام القانون الدولي وخرقا لسيادتها، ويتسبب ايضا في إطالة أمد الصراعات وتعليق مسألة إنهائها إلى اجل بعيد، في محاولةٍ لإستنزاف سوريا إلى درجة استحالة القدرة على النهوض.
لتفادي هذا الاحتمال الخطير، ستجد سوريا نفسها مضطرة إلى متابعة الكفاح ومضاعفة الجهود، وصولا إلى تحرير كل اراضيها المحتلة، سواء من «داعش» وامثاله، أو من امريكا وتركيا و»اسرائيل». ذلك أن إجراء مفاوضات سياسية قبل تحرير كل الاراضي السورية، سيؤدي إلى مطالبة دمشق بتقديم تنازلات قاسية لا قدرة لقيادتها السياسية والعسكرية على تحملها.
لتقصير امد الحرب والاستنزاف ولإحباط اي توجه اسرائيلي إلى انتهاز فرصة تشرذم العرب، واستشراء الحروب والاضطرابات في العديد من اقطارهم، ستجد قيادتا سوريا والعراق نفسيهما مضطرتين إلى تجاوز مصاعب وتجارب وتحفظات سابقة، من اجل الارتفاع إلى مستوى الأخطار والتحديات الهائلة المحدقة بهما، والاتجاه إلى مواجهتها في اطار جبهة قومية موحدة ونَفَس طويل وتعبئة شاملة لضمان النصر.
ايران لها مصلحة في اقامة مثل هذه الجبهة ودعمها لوجستيا وعسكريا وسياسيا، ذلك أن سقوط سوريا والعراق في براثن امريكا وتركيا واسرائيل، يقضي على كيانهما ووحدة اراضيهما، ويشرد شعبيهما في اربع رياح الارض. والارجح أن تحذو روسيا حذو ايران، وإن بالتزام ادنى فعالية، فتدعم البلدين في كل ما من شأنه منع استباحتهما من امريكا و»اسرائيل» وتركيا، وذلك بتزويدهما الأسلحة المتطورة اللازمة في هذا السبيل.
باختصار، ستبقى الازمات والصراعات التي تعصف بسوريا والعراق محتدمة وعالقة، وان لا سبيل امام الجارتين إلا قبول التحدي والكفاح بنَفَس طويل وبإطار جبهة موحدة لغاية ضمان اعلى درجات الامن والحصانة والسلامة.
كاتب لبناني

ماذ يعني وقف إطلاق النار في جنوب سوريا؟

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية