ماراثون دبلوماسي للرئيس الفرنسي لحشد العالم ضد الإرهاب:  إسقاط الطائرة الروسية ومصير الأسد يعكران صفو تشكيل تحالف موحد

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: شكل هذا الأسبوع «أسبوعا دبلوماسيا» بامتياز بالنسبة للرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، لحشد القوى الكبرى من أجل الاندماج في تحالف دولي «موحد» ضد تنظيم الدولة الإسلامية، في ظل وجود تحالفين يقاتلان ضد هذا التنظيم. الأول تقوده الولايات المتحدة ويضم 60 دولة، من أهمها فرنسا وبريطانيا، والثاني تقوده روسيا ويضم إيران والعراق والجيش النظامي السوري. هذا التحرك جاء في أعقاب التحول «الواضح» في الموقف الفرنسي فيما يتعلق بالأزمة السورية، بعد أن أضحت باريس تصنف تنظيم الدولة الإسلامية بـ»العدو» الرئيسي، في الوقت الذي كانت تضعه في نفس «الخانة» مع النظام السوري، وذلك على خلفية اعتداءات باريس الدامية، والتي راح ضحيتها 130 شخصا وأدت إلى إصابة أكثر من 300 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.  انطلاقة ماراثون أولاند الديبلوماسي كانت من العاصمة باريس التي استقبل فيها، يوم الاثنين المنصرم، رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون. وأكد الزعيمان خلال مؤتمرهما الصحافي المشترك، في قصر الإليزيه، أنهما تباحثا حول سبل تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني ضد الاٍرهاب في بلديهما. كما أعلن الرئيس الفرنسي أن حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول التي وصلت إلى مياه شرق البحر الأبيض المتوسط ستساعد على توجيه ضربات أكثر ضد تنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا، من أجل إلحاق أكبر ضرر ممكن بهذا التنظيم. إذ أن الجيش الفرنسي سيتمكن من تعزيز قدراته على ضرب التنظيم بثلاثة أضعاف، إذا ما علمنا أن الحاملة تقل على متنها 26 مطاردة، بالإضافة إلى 12 طائرة تتمركز في كل من الاْردن والإمارات العربية المتحدة.
 وقال رئيس الحكومة البريطانية إن حكومته وضعت قاعدة «أوكروتيري» الجوية البريطانية، في قبرص، تحت تصرف الحكومة الفرنسية لتوجه منها ضربات جوية ضد تنظيم الدولة. وأضاف كاميرون أنه يؤيد، بشكل كبير، ما قام به أولاند ضد تنظيم الدولة في سوريا، مشيرا إلى أنه ينبغي على بلاده أن تفعل الشيء نفسه، غير أن جيرمي كوربين زعيم حزب العمال الذي يرأس حكومة الظل، وهي حكومة غير موجودة على الخريطة التنفيذية ومهمتها توجيه النقد للحكومة القائمة على رأس عملها، دعا نواب المعارضة إلى عدم التصويت على اقتراح ديفيد كاميرون بتوجيه ضربات جوية ضد تنظيم الدولة معتبرا أن هذه الضربات من شأنها أن تهدد الأمن القومي لبريطانيا.
 
رحيل بشار الأسد.. جزء من الحل
 
المحطة الثانية من ماراثون فرانسوا أولاند الدبلوماسي كانت في واشنطن، التي تقود التحالف «الستيني» ضد تنظيم الدولة، وفيها حث أولاند ومضيفه الأمريكي باراك أوباما نظيرهما الروسي فلاديمير بوتين على تركيز الجهود في سوريا «لدحر الجهاديين» والتخلي عن دعم النظام السوري. وقال الرئيس الأمريكي إنه في إمكان روسيا أن تلعب دورا أكثر إيجابية في سوريا، إذا حولت محور ضرباتها لهزيمة تنظيم الدولة، فيما شدد نظيره الفرنسي على أن بلاده لن تنفذ أي عمليات برية في سوريا وبأنها ستستمر بدعم «القوات المحلية المعتدلة». كما اتفق أوباما وأولاند على ضرورة رحيل بشار الأسد كجزء من حل الأزمة السورية، محملين إياه مقتل أكثر من 300 ألف شخص منذ عام 2011، وهي نقطة الخلاف الجوهرية بين تحالف موسكو وتحالف واشنطن الذي يضم باريس.
 وبينما كان أوباما وأولاند يوجهان رسائلها إلى بوتين تمهيدا لزيارة الرئيس الفرنسي إلى موسكو، يوم الخميس الماضي، جاء خبر إسقاط الطائرة الروسية من طراز «سوخوخي24» على الحدود السورية من قبل الجيش التركي على الحدود السورية، ليتصدر المشهد ويضع جهود باريس، الضئيلة أصلا، لإقامة تحالف دولي موحد ضد تنظيم الدولة الاسلامية على المحك، ويشكل تحولا خطيرا في النزاع السوري. الرد على هذه الحادثة، التي وصفتها موسكو بـ»الطعنة في الظهر»، كان سريعا من قبل الرئيس الأمريكي، الذي اعتبر أن من حق الدولة التركية الدفاع عن مجالها الجوي، في المقابل حاول نظيره الفرنسي تهدئة الأوضاع، قبل توجهه إلى موسكو، داعيا إلى تفادي كل تصعيد بين موسكو وأنقرة.
 
ألمانيا تنشر طائرات «تورنادو»
لمحاربة تنظيم الدولة
 
المحطة الثالثة من الجولة الديبلوماسية للرئيس الفرنسي كانت في باريس أيضا، حيث استقبل أولاند، مساء الأربعاء الماضي، المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وحثها على القيام بالمزيد وتعزيز دورها في مكافحة الإرهاب، وكان الرد من ميركل أن وعدت بتلبية الطلب الفرنسي بالتحرك سريعا ضد الإرهابيين. كما أن برلين أعلنت أنها سترسل -650 جنديا إلى جمهورية مالي دعما للقوات الفرنسية المتواجدة في هذا البلد حيث تنشط جماعات جهادية أخرى تنتمي إلى تنظيم القاعدة. نفذت إحدى هذه الجماعات، وتدعى «المرابطون»، الهجوم الأخير على فندق في العاصمة باماكو واحتجزت رهائن وأسفرت عملية تحرير هؤلاء بمساعدة كوماندوز فرنسي وأمريكي عن سقوط أكثر من 20 قتيلا بينهم أجانب. وبعد اجتماع مع نواب برلمانيين قررت الحكومة الألمانية نشر طائرات من نوع «تورنادو» لأغراض الاستطلاع وطائرات للتزود بالوقود وفرقاطة، في تأكيد على وقوفها إلى جانب فرنسا في مواجهة تنظيم الدولة في سوريا. وتشكل هذه الخطوة تحولا مهما في الموقف الألماني بعد أن أحجمت برلين عن مثل هذا التدخل المباشر في الصراع السوري.
 
تنسيق أمني بين باريس وموسكو 

المحطة الأخيرة والأصعب من ماراثون الرئيس الفرنسي، الرامي إلى إقامة تحالف موحد ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كانت موسكو، التي وصلها أولاند يوم الخميس الماضي، بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية على يد الجيش التركي، المشارك ضمن التحالف «الستيني» بقيادة واشنطن. يضاف إلى ذلك أن زيارة الرئيس الفرنسي إلى واشنطن لم تحمل جديدا في الموقف الأمريكي، بل إن تصريحات الرئيس الأمريكي حول إسقاط الطائرة الروسية، عندما قال إن من حق تركيا الدفاع عن حدودها الجوية، زادت «الطين بلة» بين واشنطن وموسكو اللتين تقودان التحالفين المتناقضين فيما يتعلق بالشأن السوري. ولذلك فإنه كما كان متوقعا فشل الرئيس الفرنسي في أن يقنع نظيره الروسي بإقامة تحالف «موحد» لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن محادثاته مع بوتين، على الرغم من أنها لم تسفر عن تغير في موقف البلدين حيال مصير الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أنها خرجت باتفاق الزعيمين على «التنسيق» بين بلديهما عن طريق تبادل المعلومات الأمنية بشأن أماكن تواجد «الإرهابيين»، وأيضا لتفادي التحرك لتوجيه ضربات جوية لنفس المكان وكذلك لتجنب قصف الأماكن التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة التي تصفها باريس بـ»المعتدلة». وستكون أمام الرئيس الفرنسي فرصة ثانية لمحاولة إقناع القوى العظمى، بالتحديد واشنطن وموسكو، بالاندماج في تحالف دولي «موحد» من أجل دحر الإرهاب متمثلا في تنظيم الدولة الإسلامية، خلال المؤتمر الدولي حول المناخ، بحضور أكثر من 100 من قادة العالم، من ضمنهم الرئيسين الأمريكي والروسي. ويرجح المراقبون أن يهيمن موضوع الحرب على الإرهاب على هذه القمة، رغم أهمية التحدي الذي يطرحه التغير المناخي، فقد دعا أوباما قادة الدول كافة إلى حضور المؤتمر إلى جانبه لإثبات أن العالم لا يخشى «الإرهابيين».

آدم جابرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية