عشرات المرات، بل مئات المرات، يتردد اسم رودريغو بايسترا في الرواية الصغيرة*. كان هذا الثلاثيني قد قَتل امرأته وعشيقها رميا بالرصاص، لحظة وصول العائلة الفرنسية السائحة إلى تلك البلدة الإسبانية. كان الكلام عن الجريمة مالئا المقهى الذي جلست فيه ماريا لاحتساء كؤوس من المانزيلا، تاركة زوجها وابنتها، ومعهما صديقة العائلة كلير، منتظرين في الفندق المزدحم. ماريا مدمنة على شرب الكحول على الأرجح. في الفندق الذي انتقلت إليه تناولت كؤوسا أخرى تمكنت بصعوبة من الحصول عليها، بسبـــب ذلك الازدحام الذي جعل الرواق والشرفة المسقوفة غاصتين بمن لم يجدوا غرفا يبيتون فيها. وحين تقدم الليل ناموا هناك متدثرين بما أمكنهم الحصول عليه. على أي حال لن يدوم بقاؤهم في ذاك الفندق، ففي الصباح، حين تنتهي العاصفة، سيغادر الجميع، بمن فيهم العائلة التي ستكمل رحلتها وصولا إلى مدريد.
في ذلك الليل، وحدها ماريا شاهدت رودريغو بايسترا، طيفا في البداية متدثرا بقماش خيمة سميك، وراقدا، بل متكوما بلا حركة. كان قريبا من حيث هي مستلقية، ملتصقا بالمدخنة التي لا تبعد عنها أكثر من أمتار قليلة. لكن لا شيء إلا الحدس، حدسها وحده، ما كان يقول لها إن ذلك المتدثر المختبئ هو القاتل. ذاك أن شيئا لم يظهر لها منه، لا هيئة ولا صوتا. حدسها فقط، ثم ذلك الشعور الغامض الحسي، بل الجنسي، نحو رجل لم تمض ساعات قليلة على إقدامه على القتل. حين كانت في المقهى أيضا لم يكن إحساسها عابرا محايدا تجاه رجل آخر كان قريبا منها وتبادل معها، من وراء كتفها، كلمات قليلة، بل أن سرد الرواية يكاد يجمع بين الرجلين حتى ليبدو ثانيهما، القاتل، هو ذاته أولهما، رجل المقهى. هي رغبتها تُثار بدون حوافز كافية. كأن الاستثارة شعور حاضر فيها أبدا، خفي، باق حيا فيما هي تحادث أو تنشغل، أو تطلب من النادل كأسا آخر من المانزيلا. وكذا كان حالها، هي ماريا، في رحلة العائلة إلى إسبانيا، مثارة بوجود كارلا معهم هم الثلاثة. حين شاهدت زوجها بيار، من بُعد، ممسكا بيد كارلا، كانت تعرف أن ذلك سيحصل، بل إنه حصل من قبل فهي لم تتفاجأ مما رأت. وكانت تنتظر أن يستمر الاثنان في علاقتهما، فتبقى لذلك مترقبة ما قد يجري بينهما حين ينفردان في مكان ما من الفندق.
وهي، في ما خص كارلا وبيار، تغار غيرة صامتة، بل يمكن أن تكون غيْرة ودودة. لم يحدث بين الثلاثة ما يعكر صفو العلاقة بينهم. لم تُقل كلمة، من أي منهم، صريحة أو غامزة مواربة تكدر رفقتهم. هي علاقة حاضنة لهم هم الثلاثة، تقول لها كلارا مثلا إنها شربت كفاية هذه الليلة، وهما الاثنتان تتبادلان رعاية الابنة الصغيرة، وتتبادلان الجلوس على مقعد السيارة الأمامي إلى جانب بيار. لا غضب ولا تهجم ولا محاولة من ماريا لاسترداد زوجها. ربما كان جزء منها راغبا في تحفيز غيرتها، كأن لتكون، ومعها زوجها وصديقتها، مقيمة في كنف تلك الحسية، في الغيرة المحيية، الموقظة للرغبات، بذلك تكون كلارا غريمة مساعدة على إيقاظ الشهوة، تلك التي كان القاتل يثيرها أيضا، بطريقة لا تقل غموضا.
حين هجع الجميع نائمين في السقيفة أخذت ماريا ترسل إشارات للقاتل الذي كشف جانبا من الخيمة التي كانت تخفيه. وحين صارت إلى جانبه أبلغته بأن رجال الشرطة يملأون المكان، وأبدت استعدادها لمساعدته على الفرار. وهكذا حصل، إذ تمكنت من أن تعبر به من طريق جانبية لتوصله إلى حقل مزروع قمحا محاذ للطريق. كان خائفا مستسلما لها، وإن كان ما يزال محتفظا بذلك المسدس. في الصباح، عندما توقفت العاصفة بدأت الشمس بالطلوع ساطعة، وحارة وكانت ماريا في الفندق الذي رجعت إليه، تعرف أن بقاءه مكشوفا هكذا لحرارتها سوف يقتله. وهكذا حصل بالفعل، فحين عودتها، في حمأة الظهيرة، مع العائلة، وصديقة العائلة، نزلت من السيارة لتراه، فيما الآخرون في انتظارها، لتكتشف أنه قضى نحبه، ولتكمل مع العائلة الطريق إلى مدريد.
كانت ماريا تعرف أن كل ما شعرت به في يوم الرحلة ذاك نزوات عابرة، تتساوى فيها الغيرة مع المجازفة بتهريب القاتل. وعلى الرغم من الفارق بين الأمرين، إلا أنهما متساويان عندها، واقعان في وتيرة مشاعرها الصامتة، لكن المختلطة والمتداخلة. هذا ما تذهب إليه مارغريت يورسنار حين تكتب عن النوازع الغامضة التي تتفاعل في كل منا، خارجة عن منطق الأشياء وإرجاع السبب إلى المسبب. كأنها تقول إننا شاذون كلنا، إذ لا نشعر كما ينبغي لنا أن نشعر. وإن كان هناك من شيء متماسك فينا فهو تلك النزوات الغامضة غير المفهومة، لكن التي تظل حرة عصية على التدجين.
بصدور رواية «العاشرة والنصف ليلا، في الصيف» عودة لمارغريت دوراس من ماضي قراءة عربي جرى من نحو ثلاثة عقود، حين ترجمت روايتها «العاشق» وظهر فيلم «هيروشيما حبيبتي» الذي كتبت هي نصه الشعري للمخرج آلان رينيه، وكذلك إلى كتاب سيرتها الذي كان يمكن متابعة وقائعه البعيدة عن كل مألوف من طريق السينما. في الرواية التي صدرت الآن عودة تذكير لمن سبق له أن عايش جيل قراء دوراس، وعودة تعريف لجيل ما بعد حضورها في ثقافتنا. ومن جانب آخر هي تنبيه لنا بأن ترجمتنا للكتب على اختلافها محكومة بقصر أجل صدورها، حيث نادرا ما نعود إلى كاتب أو تيار كان في مرحلة ملهما لنا.
رواية مارغريت دوراس صدرت في 152 صفحة عن منشورات الجمل بترجمة إسكندر حبش ـ2017.
٭ روائي لبناني
حسن داوود