القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: مع بداية شهر رمضان تم إطلاق قناة ماسبيرو زمان في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث الفني القديم بتنويعاته الثرية ما بين الثقافي والفني والرياضي، على أمل تعويض ما أتلفه الزمن بفعل الإهمال وعدم وجود وسائل ملائمة للحفظ، أو تدارك خطأ التفريط الذي أهدر الغالبية العظمى من كنوز ماسبيرو بإهدائها أو بيعها للفضائيات الخاصة بأقل من ربع الثمن.
الفكرة وإن كانت جاءت متأخرة لكنها تمثل محاولة جادة وضرورية لتسليط الضوء على الغالي والنفيس من الأعمال الفنية القديمة، الذخيرة الحقيقية للقلعة الإعلامية الرائدة في المنطقة العربية، ويبدو أن الغيرة على التراث الذي تبدد معظمه كانت وراء الإنجاز المهم، حيث وجود قناة فضائية متخصصة للأعمال المصرية القديمة، لابد أن يكون عملاً مصرياً بحتاً تابعا للمؤسسة الإعلامية الرسمية، وقد حدث بالفعل وهو ما نعتبره خطوة نحو تصحيح المسار.
القناة الجديدة تُبث لساعات محدودة، ربما غير كافية لتطلعات الجمهور الشغوف باستعادة الذكريات الجميلة التي انقضت وكادت تصبح عدماً لولا الجهود المخلصة في التنقيب عن الأهم والمهم فيما تبقى من تراث موسيقي ومسرحي وسينمائي وتلفزيوني، وربما ما يهمهم هذا الأمر هم الجيل الستيني والسبعيني الذي عاصر الصحوة الفنية في عصرها الذهبي وكان له نصيب في مشاهدة أعمال الرواد من نجوم الفن والإبداع ورأى التأثيرات الإيجابية للأعمال الكبرى.
النوعيات التراثية كثيرة ومتعددة ولكننا سنشير إلى بعضها من باب التذكير واجترار الأيام الخوالي، يحضرنا الآن بعض المسلسلات القديمة التي كانت تمثل في حينها طفرة فنية وثقافية غير مسبوقة في العالم العربي مثل «الساقية» و»القط الأسود» و»الدوامة» و»عادات وتقاليد»، فضلاً عن البرامج التي كان من بينها «أوتوغراف» للإعلامي طارق حبيب و»النادي الدولي» لسمير صبري و»عالم الحيوان» لمحمود سلطان، بالإضافة لفوازير ثلاثي أضواء المسرح، سمير غانم وجورج والضيف أحمد، وقد تضمنت المواد التراثية أيضاً الصور الغنائية والأوبريتات والمسرحيات التي صورت إبان ظهور التلفزيون العربي في ستينيات القرن الماضي.
وتتوازى الأهمية والمتعة في ما يتم تقديمه باستحضار الحالات الفنية والمراحل الزمنية التي تعكس روحاً إبداعية حقيقية وتتسم بلغة تعبيرية راقية، بعيدة عن الإسفاف والابتذال وتركز في المعالجة الاجتماعية البناءة، غير أن الصور والأشكال الفنية تُبرز إمكانيات النجوم الكبار ومواهبهم الفذة ومستوى أعمالهم وتبايناتها، فالممثل الكبير عدلي كاسب الذي قدم أدوار الفظاظة والغلظة والشر، نراه مختلفاً تماماً وهو يقدم برنامج «قطار المنوعات» في شكله الكوميدي الخفيف ويستضيف نجوما يتحدثون بدون تحضير وعلى حريتهم، بعيداً عن الكاميرا والأضواء، فيبدون أكثر عفوية وتلقائية وصدقا، والفنان القدير محمود المليجي نشاهده ونسمعه في أحاديث مسجله وكأنه شخص آخر غير الذي نراه على الشاشة، وكذلك عبد المنعم إبراهيم وعبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس وسميرة أحمد ورشدي أباظة ويوسف وهبي وحسين رياض وشقيقه فؤاد شفيق وزكي رستم وغيرهم، تتجلى قدراتهم وتكشف ذواتهم المبدعة عن مكنوناتها، فيستقر المفهوم الحقيقي للفن كقيمه حقيقية غير مستهجنة ولا مرفوضة في زمن تجاوز رموزه الأفكار الرجعية وآمنوا بدورهم كقوة ناعمة من شأنها أن تقود المجتمع إلى الأفضل وتقوّم السلوكيات المنحرفة وتحد من التوتر والعنف والقلق.
تلك الدلالات والإشارات هي ما تنبئ بها الصور الفنية ويشي بها الزخم الثقافي في فترتي الستينيات والسبــــعينيات التي شكلت معظم ما تم إنتاجــــه من ألوان الفكر والفن في المجالات المخـــتلفة، حتى النكت والطرائف كان لها دور بارز حيال القضايا المهمة، وهو ما تم التعبير عنه بالسخرية من السلبيات عبر فن الكاريكاتير والبرامج الضاحكة التي كان من أبرزهــا برنامج ساعة لقلبك الذي قدم أنماطاً من الفكاهة والمرح من خلال شخصيتي أبو لمعة والخواجة بيجو وهما نموذجان راسخان في الوجدان المصري لعبا أدوراً مهمة في تفعيل دور النقد الاجتماعي وأدخلا النكتة كعنصر أساسي من عناصر التعبير عن الرأي.
ما يُستهدف من الكتابة عن الفضائية الجديدة ماسبيرو زمان، هو النظر إلى التاريخ الفني والإعلامي البعيد ونفض الغبار عنه لرؤية مضامينه وتحليلها كي تتسنى معرفته والاستفادة منه والتواصل معه كي لا تنقطع الصلة بين الماضي والحاضر فنبدو غرباء في مجتمعاتنا ونعيش بلا ظهير ثقافي يحمينا من التطرف والتعصب والانحراف.