ماكرون يُمهِّد الطريق أمام عودة «الحركى» إلى الجزائر في ختام زيارة «محرجة» ومثيرة للتساؤلات!

حجم الخط
1

الجزائر ــ «القدس العربي»: غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجزائر التي زارها لبضع ساعات مخلفًا وراءه زوبعة وحرجًا كبيرين، فهذه الزيارة الأولى للرئيس الفرنسي الشاب لم تمر مرور الكرام، برغم أنها كانت قصيرة، بل خلفت وراءها أشياء كثيرة يصعب تجاهلها، في انتظار زيارة الدولة التي وعد بها ماكرون في سنة 2018.
أول ملحوظة بخصوص زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون هي أن السلطات الجزائرية وافقت على منح تأشيرات للصحافيين الفرنسيين جميعهم، بما في ذلك أولئك الذين منعوا في وقت سابق من مرافقة مسؤولين فرنسيين، مثلما حدث في زيارة رئيس الوزراء السابق إيمانويل فالس، لما رفضت السلطات الجزائرية منح التأشيرة لصحافيي «لوموند» وبرنامج «لوبوتي جورنال» بسبب نشر الأولى صورة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عند تناولها ملف فضيحة «باناما بايبرز»، وبسبب سخرية البرنامج الذي تبثه قناة «كنال بلوس» من السلطات الجزائرية في مناسبات عدة، لكن هذه المرة، وبعد رفض في وقت أول لمنح التأشيرة لبعض الصحافيين وبعض وسائل الإعلام الفرنسية، عادت السلطات الجزائرية ووافقت على منح التأشيرة للجميع.
الشيء الثاني الملحوظة حول التعزيزات الأمنية غير المسبوقة التي رافقت الزيارة، وهي تعزيزات لم يسبق أن شهدت العاصمة مثيلا لها، وسط شبه إجماع أن الأمر تجاوز الحدود، ويكفي أن صحافيا تعرض للتوقيف مدة تجاوزت ست ساعات، لمجرد أنه كان مارا بالشارع في وقت حاول فيه بعض النشطاء رفع لافتات كتب عليها «لا لماكرون في الجزائر»، بل إن التعزيزات الأمنية لم تتوقف بعد أن غادر ماكرون وسط العاصمة التي اختار أن يترجل في شوارعها، بل استمرت حتى ما بعد منتصف الليل، وهو تقليد لم يسبق أن شهدته العاصمة الجزائرية، حتى عند زيارة رؤساء دول أخرى.
ماكرون الذي طلب أن يسير في شارع العربي بن مهيدي وسط العاصمة، استقبل بحفاوة، فبرغم ما قيل عن أن عمال وموظفي بعض الإدارت الحكومية قد جلبوا لاستقباله، فإن هناك الآلاف من المواطنين خرجوا من تلقاء أنفسهم لرؤية الرئيس الفرنسي والحديث إليه بل تقبيله بحرارة أحيانا!! برغم التعزيزات الأمنية الخانقة، وقد ارتفعت مئات الهواتف المحمولة لالتقاط صور للرئيس الفرنسي وهو يمشي رافعا يده لتحية الذين خرجوا والذين أخرجوا لاستقباله، والذين أطلوا من الشرفات، فضلا عن عشرات الشباب الذين اقتربوا من الرئيس الفرنسي وهم يطالبونه»: أعطينا فيزا يا ماكرون»! المنظر كان مزعجا ومحرجا للكثيرين، وراح بعض المراقبين يبحث عن مبرراته، ففيما اعتبره فريق أول منهم ضربة موجعة للسلطة الحاكمة، حاول بعضهم الآخر تبرير ذلك بكون الجزائريين اشتاقوا لرؤية رئيس في الشارع، بينما اعتبر فريق ثالث أن الأمر يتعلق بعقدة المستعمر، وقال فريق رابع في تعليق ساخر على ما جرى إن الرئيس الفرنسي، خلال أقل من ساعة، صافح وتحدث مع عدد أكبر ممن تحدث إليهم المسؤولون الجزائريون خلال سنوات، ولكن الأمر مثير للتساؤلات ويستحق فعلا الدراسة بعيدا عن الأحكام المسبقة والجاهزة والمتسرعة.
ماكرون خلال الزيارة حاول أن يؤكد أن مواقفه لم تتغير، خاصة بخصوص ملف الذاكرة، موضحا أنه ليس رجلا متناقضا في تصريحاته، وأنه شخص مختلف عمن سبقوه إلى قصر الإليزيه، وأن مواقفه من جرائم الاستعمار الفرنسي معروفة وسبق له أن عبر عنها لما زار الجزائر بصفته مرشحا لرئاسة الجمهورية، في إشارة إلى وصفه جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر بالجرائم ضد الإنسانية، لكن من دون أن يعود إلى استخدام العبارة نفسها.
ولعل أهم شيء تم إعلانه من طرف الرئيس الفرنسي هو تأكيده اتخاذ الإجراءات لتسليم جماجم شهداء المقاومة الجزائرية الموجودة في باريس منذ أكثر من 150 سنة، وهي الجماجم التي كانت الجزائر تطالب باسترجاعها، وكانت السلطات الفرنسية ترفض ذلك، بدعوى أن الجماجم ملك للدولة الفرنسية، ولكن في المقطع نفسه من كلام ماكرون عن استعداده تسليم الجماجم أفسد ما كان يمكن أن يعتبر انتصارا، لأنه استطرد قائلا إنه تحدث مع المسؤولين الجزائريين حول ضرورة تمكين كل الذين ولدوا في الجزائر من العودة إليها وزيارتها بصرف النظر عن علاقتهم التأريخية معها، والمقصود من هذا الكلام تمكين «الحركى» من العودة إلى الجزائر وزيارتها، أي الجزائريين الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي ضد إخوانهم ووقفوا ضد الثورة، وأسهم الكثير منهم في جرائم ضد الشعب الجزائري، والذين غادروا مع فرنسا يوم رحلت عن الجزائر في 1962. موضوع «الحركى» حساس جدا في الجزائر، سواء على المستوى الرسمي أو المستوى الشعبي، وماكرون بتصريحه يتصرف وكأنه تاجر في قضايا الذاكرة يمنح بيمينه ليأخذ أكثر بسيراه، وهذا التصرف يدل على شيء أن ماكرون يريد أن يتقدم في ملف الذاكرة، لكن لا يريد أن يعطي أقل مما سيأخذ، وذلك لإسكات اللوبي الذي يتشكل من اليمين المتطرف و»الحركى» والأقدام السوداء، أي المعمرين الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، والذين اختارت الأغلبية الساحقة منهم الرحيل مع القوات الفرنسية.

ماكرون يُمهِّد الطريق أمام عودة «الحركى» إلى الجزائر في ختام زيارة «محرجة» ومثيرة للتساؤلات!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية