نيويورك – «القدس العربي»: المكان قاعة كارنيغي الأشهر في نيويورك والزمان مساء السبت 31 كانون الثاني/يناير 2015 والحرارة تحت الصفر، حيث تشعر وأنت تقف في الطابور لدخول القاعة قبيل العرض أن الدماء ستتجمد في عروقك. بيعت التذاكر بأكملها وإكتظت قاعة زانكل، المتوسطة التي تتسع 599 متفرجا حيث لم يبق مقعد خالٍ أبدا فقد كان من بين الحضور من جاء من واشنطن العاصمة وولاية جورجيا وكاليفورنيا وميرالند وغيرها. وقد تصدر الصف الأول عدد من السفراء تعرفنا على واحد منهم وهو سفير النرويج. عندما دخل مالك جندلي بعد أن خفتت الأضواء وسلط ضوء على وسط المسرح وقف الحضور جميعا تحية للموسيقي المبدع الذي يصبح أول موسيقار عربي يقدم عرضا موسيقيا في أشهر قاعات مدينة نيويورك. ولم يسبقه من العرب أحد إلى هذا المسرح الشهير إلا فيروز التي قدمت عرضا غنائيا في 11 تشرين الاول/أكتوبر 1981.
خفتت الأنوار وبدأ مالك العزف المنفرد الساعة الثامنة مساء مبتدئا بقطعة موسيقية إسمها السلام والحق بها قطعة «نبض سوري» وبعدها «أصداء من أوغاريت» التي كانت بواكير أعماله عام 2009 والتي أعاد فيها ترانيم نيكال، أقدم تدوين موسيقي ربما في التاريخ والذي جمع بعض أغاني الحرانيين منقوشة على ألواح مسمارية إكتشفت في مدينة أوغاريت في سوريا. ثم قدم مقطوعة أحلام بيانو فالسمفونية السورية ثم مقطوعة الحمرا فدرويش إلى أن إختتم العرض بمقطوعتي «محيط بلا شواطئ وملاحظات شكر». ومع تقدم العرض إنضم إلى جندلي لاعب العود الأشهر عبد الرحيم الصائدي ولورا ميتكالف عازفة التشيلو.
استمر العرض بعدها ساعتين من التجلي الموسيقي العالي والذي نقل الجمهور إلى أجواء سوريا الغنية بتراثها وتاريخها وحضاراتها المتعاقبة فأشلعت في القاعة جوا من الدفء العالي على عكس موجة الصقيع في الخارج. وأعلن مالك أنه سيطلق في هذه الليلة لأول مرة ألبومه الجديد «السيمفونية السورية» التي تعثر إنتاجها طويلا بسبب الأحداث التي ألمت بوطنه سوريا. لقد كانت لغة الجسد والتعبيرات التي تبدو على وجوه العازفين جزءا أساسيا من جماليات العرض وكأني بالعازفين يشاهدون قصة درامية مؤثرة تفتح صفحاتها الواحدة تلو الأخرى أمامهم.
كانت مفاجأة جندلي في نهاية برنامج العرض المكتوب أن عزف الموشح الأندلسي المشهور الذي يعتبر تراثا سوريا بامتياز «لما بدا يتثنى» فبدأ معظم من في المسرح يغني معه في صوت مهيب ورخيم، وقد شاهدت الدموع تنزل من عيون الرجال قبل النساء. وكأن الموشح كان فرصة لذرف دمعة على مأساة سوريا الحبيبة إلى قلوب كل العرب. وقد كان بكاء زميلتي المتدربة دينا أقرب إلى النشيج. «اقسم لك إن سوريا تعيش في قلب كل مصري ومصرية» قالت. فكيف لا نبكي عليها وما جرى لشعبها الأبي؟
ما يميز جندلي نزعته الإنسانية التي ما انفك يعمل على إشهارها كلما أتيحت له الفرصة. فقد أطلق عام 2013 مبادرة «جولة حول العالم من أجل أطفال سوريا» بهدف تسليط الأضواء على معاناة أطفال سوريا. وقدم عروضا مع الصائدي في لندن وفيينا ومدريد حيث حضرت العرض الملكة صوفيا. كما أطلق جندلي مبادرة «منافسات الشباب في العزف على البيانو». وقد إستغل عرضه في قاعة كارنيغي ليقدم الجوائز للفائزين. وكانت الجائزة الأولى من نصيب التونسية فتحية إسماعيل (10 سنوات)، والجائزة الثانية من نصيب السورية مي خليفة (14 سنة) والجائزة الثالثة من نصيب التونسي سليم خميس (12 سنة). وقد تضمنت الجوائز مبلغا نقديا ومجسمات الفوز وألبومات موقعة من العازف والمجموعة الكاملة لمعزوفات جندلي على البيانو.
بعد تخطي عدة عقبات وافق منظمو الحفل أن نأخذ لحظات من وقت جندلي والصائدي. سألناه في البداية عن ختام العرض المؤثر فقال» لقد وحدت قطعة لما بدا يتثنى الجمهور الذي يعرف هذا اللحن ولذلك بدأ يغني مع الموسيقى لما في هذا اللحن الشجي من ذكريات عند الناس». وقال جندلي في تعليق لـ»القدس العربي» «أنت لا ترى الموسيقى ولا تستطيع لمسها. الموسيقى لا يمكن تجسيدها. إنها نوع آخر من الفن الذي يتجاوز الحدود والثقافات والأعمار». وعلق الصائدي صديق جندلي ورفيقه منذ زمن طويل «الموسيقى تملك من القوة ما يمكنها من تجسير الهوة بين الشرق والغرب». وأضاف الصائدي في تصريحه المقتضب لـ «القدس العربي» بعد نهاية العرض «نحن نقدم عناصر جديدة في الفضاء الذي نعزف فيه. لقد حان الوقت أن يسمع بعضنا الآخر. الموسيقى تجبر الناس على الإستماع لبعضهم البعض دون إستخدام للعنف أو القوة».
وقال جندلي ردا على سؤال حول مشاريعه المستقبلية «إنه سيتابع مسيرة الانتصار لأطفال سوريا وسيعمل على تسجيل مقطوعات جديدة بمشاركة الصائدي وميتكالف».
ولد مالك جندلي في ألمانيا عام 1972 لأبوين من حمص بسوريا. ودرس الموسيقى في المعهد العربي للموسيقى في دمشق وحصل على الجائزة الأولى عام 1988 لأفضل موسيقي يافع. ثم حصل على بعثة دراسية عام 1995 للالتحاق بكلية الفنون في ولاية كارولاينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية. وحصل هناك على الجنسية الأمريكية . وبعد عدة دورات ودراسات موسيقية عاد إلى جامعة شارلوت بكارولاينا الشمالية وحصل على الماجستير في الموسيقى. وبدأ بعدها يعمل في مجال العزف والتأليف الموسيقي وكان يميل إلى الموسيقى العربية والمقامات ويعزف مع الفرق الموسيقية الكبرى مثل أوركسترا دار الأوبرا بالقاهرة والأوركسترا السيمفونية الروسية والفرقة السيمفونية الوطنية السورية .
بعد إنتفاضة شباب سوريا عام 2011 ألف مقطوعته الموسيقية «وطني أنا» والتي كان من المفروض أن يقدمها في المؤتمر الوطني للجنة مكافحة التمييز في واشنطن العاصمة في حزيران/يونيو 2011 إلا أنه فوجئ بإلغاء الحفل دون توضيح الأسباب فذهب وفرقته الموسيقية وعزف المقطوعة في حديقة «لافييت» الواقعة مباشرة شمال البيت الأبيض. وقد حصل على جائزة حرية التعبير في لوس أنجلوس عن أغنيته هذه. وفي عام 2012 أطلق ألبومه المسمى حمص والذي أهداه «للشعب السوري ومطلبه النبيل في الحرية – وخاصة أهالي حمص». ويضم الألبوم سيمفونية «حرية قاشوش» المغني الشعبي الذي قتل بطريقة بشعة بعد أن أطلق أغنية شعبية تنادي بالحرية . وقد حصل جندلي عام 2012 على جائزة «الإبداع الثقافي» في نيويورك تقديرا لفنه وجهوده في إثراء الموسيقى العربية.
عبد الحميد صيام