قبل وفاته في 8 سبتمبر 1933 بمدة وجيزة، كتب الملك فيصل الاول مؤسس الدولة الحديثة في العراق، مذكرة أوجز فيها رؤيته للوضع العراقي، ووزعها بشكل شخصي على عدد من الساسة العراقيين من الحكومة والمعارضة للاستئناس برأيهم والتعليق على ما كتب سلبا أو إيجابا.
وقد فقدت هذه المذكرة لردح من الزمن ثم ظهرت في مذكرات علي جودت الايوبي التي نشرها في بيروت 1968، ثم ظهرت بعد ذلك في عدد من الدراسات التي تناولت الشأن العراقي في العصر الحديث.
الامر المثير عند قراءة هذه المذكرة هو احساس القارئ وكأنه يقرأ وصفا لعراق اليوم، وان الحلول التي يقترحها الملك كأنها مانيفستو إصلاح الحال في العراق مما يعانيه، فكيف كان ذلك؟ وما السبب؟ هل توقف التاريخ بالعراق عند منتصف الثلاثينات؟ أم أن أزمات العراق لم تجد حلا منذ ذلك التاريخ؟ أم أن ما قام به الاجتياح الامريكي وتدميره للدولة العراقية ارجع العراق إلى مرحلة بناء الدولة من الصفر، وهو ما كان في حقبة الثلاثينات؟ اعتقد أن السبب هو خلطة من كل الاسئلة السابقة وبنسب مختلفة، فمثلا يصف فيصل الاول المجتمع العراقي وصفا موضوعيا عندما يقول، «إن البلاد العراقية من جملة البلدان التي ينقصها اهم عنصر من عناصر الحيـــــاة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، منقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت اقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات أو اغراض شخصية، او طائفية، او متطرفة، يداومون على سياسة العدل والموازنة، والقوة معاً، عـــــــــلى جانب كبير من الاحترام لتقاليد الاهالي، لا ينقادون إلى تأثرات رجعية، او إلى افكار متطرفة تستوجب رد الفعــــــل»، وكما نرى هو توصيف دقيق للتكوين الاثني والديني في العراق، وان التعامل مع هذا التنوع هو الحكمة المصحوبة بالحزم في التعامل والابتعاد عن الطائفية.
اما عندما يصف الملك فيصل الاول الكتل الاجتماعية الموجودة حينئذ في العراق، فإنه يخلط بين المكونات الدينية والاجتماعية والسياسية، فهو يقسم هذه الكتل إلى الشبان المتجددين بمن فيهم رجال الحكومة والمتعصـبين والســـنة والشـيعة والاكـراد والاقليات غير المسلمـة والعشــائر والشيـوخ والسواد الاعظم الجاهل المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة او محاكمـة. نلاحظ في هذا التوزيع تداخل الكتل الدينية والقومية مع البنى او التشكيلات الاجتماعية والطبقية، لكن ماذا يريد أن يبني صاحب المذكرة على هذه التقسيمة؟ تشير المذكرة إلى أن شباب الساسة الموجه لهم الحديث يطلبون منه عدم الالتفات إلى الكتل الاجتماعية والدينية المتعصبة، التي تحن إلى القديم، ويجب أن تساق الأمة بالقــــوة في طريق التقدم، لان الأمة جاهلة وغير مؤهلة للتعبير عن نفسها، بمعنى آخر ركوب ما عرف بحادلة اتاتورك التي استعملها في تسوية مخلــــفات الدولة العـــــثمانية، لينـــتج ارضا قابلة لاستنبات امة تركية حديثة، لكن فيصل الاول بحكمته المعــروفة يشير عليــهم «بأن عدم المبالاة بالرأي بتاتاً، مهما كان حقـــيراً، خطيئة لا تغتفـــر… ولو كانت البلاد خالية من الســـلاح لهان الامر، لكنه يوجد في المملكة ما يزيد على المئة الف بندقـــية تقابلها خمسة عشر الف بندقية حكومــــية، ولا يوجد في بلد من بلاد الله حالة حكومية كهذه وشعب كهذا، هذا النقص جعلني اتبصــر، وادقـق، وادعو انظار رجال الدولة ومديري دفة البلاد للتعقل وعدم المغامرة».
كما اشار الملك فيصل الاول بوضوح وبدون مواربة وربما كان ذلك لكون المذكرة كانت شخصية وليس علنية، إلى المشكلة الطائفية والاثنية الحقيقية التي حاول كل الساسة اللاحقين الالتفاف عليها وعدم الاعتراف بها، حيث يقول في مذكرته «العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على انقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً اكثريته جاهلة، بينهم أشخاص ذوو مطامع شخصية يسرقونه للتخلي عنها بدعوى انها ليست من عنصرهم. واكثرية شيعية جاهلة، الا أن الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرن عليه، والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين، كل ذلك جعل مع الاسف هذه الاكثرية، او الاشخاص الذين لهم مطامع خاصة، الدينيين منهم وطلاب الوظائف بدون استحقاق، والذين لم يستفيدوا مادياً من الحكم الجديد يظهرون بأنهم لم يزالوا مضطهدين لكونهم شـــيعــة، ويشوقون هذه الاكثرية للتخلي عن الحـــــكم الذي يقولون بانه سيئ، ولا ننكر ما لهؤلاء من التأثير على الرأي البسيط الجاهل. اخذت بنظري هذه الكتل العظــيمة من السكان، بقطع النظر عن الاقليات الاخرى المسيحية، التي يجب ألا نهملها، نظراً للسياسة الدولية التي لم تزل تشجعها للمطالبة بحقوق هذه وتلك، وهناك كتل كبيرة غيرها من العشائر: كردية، وشيعية، وسنية، لا يريدون الا التخلي عن كل شكل حكومي، بالنظــر لمنافعهم، ومطامح شيوخهم التي تتدافع بوجود الحكومة». فهل رأيتم توصيفا أكثر دقة لحال العراق من هذا التوصيف؟
اذن ماذا اقترح الملك لمعالجة هذ الامر، نقرأ «كل هذه الاختلافات وكل هذه المطامع تشتبك في هذا الصعيد او تصطدم، وتعكر صفو البلاد وسكونها، فاذا لم تعالج هذه العوامل باجمعها، بقوة مادية وحكيمة معاً، ردحاً من الزمن، حتى تزول هذه الفوارق وتتكون الوطنية الصادقة، وتحل محل التعصب المذهبي والديني، هذه الوطنية التي سوف لا تكون الا بجهود متمادية، وبسوق مستمر من جانب الحكومة، بنزاهة كاملة، فالموقف خطــــر وفي هذا الصدد، وقلبي ملآن اسى، انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد واباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائماً للانتقاص من أي حكومة كانت، فنحن نرى، والحالة هذه، أن نشكل من هذه الكتل شعبــاً نهذبه، وندربه، ونعلمه».
كما أنه اشار إلى نقطة مهمة متعلقة بالجيش العراقي وبنائه والدور المناط به، حيث يقول «بدأت بالجيش، لانني اراه العمود الفقري لتكوين الامة، ولانني اراه في الوقت الحاضر اضعف بكثير لعدده وعدته، من أن يقوم بالمهمة الملقاة على عاتقه، وهي حفظ الامن والاطمئنان إلى امكانية كفاءته، نظراً إلى ما تتطلبه المملكة، ونظراً إلى العوامل المختلفة الموجودة، التي يجب أن تجعلنا دائماً متيقظين لوقوع حوادث عصيان مسلح في كل وقت. انني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الامن الخارجي في الوقت الحاضر، الذي سوف نتطلبه بعد اعلان الخدمة العامة، اما ما سأطلبه منه الان، فهو أن يكون مستعداً لاخماد ثورتين تقعان (لاسمح الله) في آن، في منطقتـــين بعيدتين عن بعضهما.
انني غير مطمئن إلى اننا بعد ستة اشهر، وبعد أن تتخلى انكلترا عن مسؤوليتها في هذه البلاد، نتمكن من الوقوف لوحدنا، مادامت القوة الحامية هي غير كافية، ولا يمكنني أن اوافق على تطبيق الخدمة العامة او القيام بأي اجراءات اخرى مهمة، او محركة، او مهيجة، ما لم اكن واثقاً من أن الجيش يتمكن من حماية تنفيذ هذا القانون، او أي اجراءات اخرى، وعليه ارى من الضروري ابلاغه لحد يتمكن معه من اجابة رغبتي المار ذكرها وذلك بشكله الحاضر».
كما يشير في المذكرة إلى نقطة في غاية الاهمية في مسألة ادارة البلاد وهي لامركزية الحكم ومنح سلطات واسعة للحكومات المحلية، حيث يشير إلى «اقول بتحفظ: أنه إذا أمكن اعطاء صلاحيات للألوية، شبيهة بمجالس الولايات في العهد العثماني، فسيكون ذلك من جملة اسباب تشويق سكان الالوية للاشتراك في الحكم».
وبعد أن يمر الملك على مشاكل العراق الاخرى يختتم مذكرته بالوضع الاقتصادي في فقرة مؤثرة وحكيمة اذ يقول «على الحكومة أن تشكل دائرة خاصة لدرس جميع المشاريع الصناعية على اختلاف انواعها، كبيرة كانت أم صغيرة وتبدأ ببناء الاهم فالمهم، وترشد الاهلين إلى كيفية التشبث بالاعمال الصغرى، وتقوم هي بالاعمال الكبرى اذا تعذر القيام بها من قبل الاهالي. انه لمن المحزن والمضحك والمبكي معاً أن نقوم بتشييد ابنية ضخمة بمصاريف باهظة وطرق معبدة بملايين الروبيات ولا ننسى الاختلاسات وتصرف اموال هذه الامة المسكينة التي لم تشهد معملا يصنع لها شيئاً من حاجاتها. وانني أحب أن أرى معملاً لنسيج القطن بدلا من دار حكومة، وأود أن أرى معملا للزجاج بدلا من قصر ملكي»، فهل تجد اي حكومة حالية مانيفستو – برنامج عمل – افضل من مذكرة فيصل الاول التي يزيد عمرها على الثمانين عاما؟
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي