مانيفستو حول جدلية العلاقة بين العنصرية والإرهاب: دعوة للحوار

تحولت أنظار العالم كله إلى باريس، على إثر الحادث الإرهابي المروع الذي وقع في باريس يوم الأربعاء 7 يناير الحالي وأدى إلى مقتل عدد من صحافيي مجلة «شارلي إيبدو» ورساميها وشرطيين وأربعة يهود، بالإضافة إلى منفذي العمليتين الثلاثة. كما أن مسيرة يوم الأحد المليونية التي كان يتقدمها نحو خمسين زعيما عالميا، من بينهم مجرم الحرب نتنياهو أرسلت رسالة واضحة بأن العالم يتضامن مع ضحايا الإرهاب، بغض النظر عن جنسياتهم وانتماءاتهم وأعراقهم. إن الطريقة التي لجأ إليها المتطرفون بالعمل على قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء، بدون شفقة أو رحمة أصبحت علامة مميزة لهؤلاء الأفــــراد الذين تشـــربوا ثقافة الحقد وتكفير الآخر وإلغاء المفاهيم الإسلامية الأساسية، التي تقوم على مبادئ التسامح والعفو والرحمة وإبعاد الشك باليقين، والقاعدة الشرعية التي تنص على «فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين»، بل يتزنر الواحد منهم بالموت وود لو أنه يأخذ الدنيا معه.
مثل هذه العملية المميتة تعيد تسليط الضوء بشكل صاخب حول قضية الإسلام المتطرف والجماعات الجهادية التي بدأت تفيض من منطقة الشرق العربي والإسلامي إلى أوروبا، فتتسلل إلى دماغ الشباب المسلم وتستهويهم وتدفع بعدد منهم إلى أحضان هذه الجماعات الحاقدة على كل ما هو غربي، لا فرق بين طفل وسياسي أو امرأة وعسكري أو شرطي مسلم وصانع سياسة عنصري. تنتقل النقاشات من إدانة الإرهاب والإرهابيين إلى إدانة الإسلام والمسلمين، بحيث يقع هؤلاء في عقلية المتطرفين نفسها، حيث يعممون التهمة على كل من انتمى للإسلام دينا أو حضارة أو هوية. فنصبح أمام مشهد درامي كبير: متطرفون إسلاميون يريدون أن يهدموا كل ما جاء به الغرب، ويضعون كل من يخالفهم الرأي في سلة واحدة، من الضروري قتلهم جميعا، مقابل مجموعات يمينية متطرفة تضع الإسلام والمسلمين كلهم في دائرة الإتهام والعداوة والتشكيك، ويجب التخلص منهم جميعا بالطرد أو التطهير العرقي أو بشن الحروب أو بالتضييق عليهم والتمييز ضدهم وتقليص الفرص أمامهم. والمشهدان لا محال متجهان نحو مزيد من التصادم، رغم الدعوات الإنشائية التي تدعو إلى التعايش والتفاهم وتكرار مبدأ الفصل بين الدين وأتباع الدين، مما لا يغير في الواقع شيئا، بل على العكس يزداد المتوجسون بالإسلام والمسلمين عددا وتأثيرا وقوة، ويزداد عدد المتذمرين من السياسات الغربية وسياسات الكيل بميزانين، واحد للعرب والمسلمين وآخر لغيرهم. كما أن الإحباط في تزايد مستمر بسبب سياسة التغطية على الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني على يدي الدولة السِفاح التي أنتجتها السياسة الاستعمارية في المنطقة العربية، بهدف تقسيمها وتفتيتها والسيطرة على خيراتها، ومنع تقارب دولها وشعوبها، وتوظيف هذه القاعدة الاستيطانية المتقدمة لضرب كل حركة تقدمية وطنية تعمل على تحرير ثروات العرب لمنعهم من الانطلاق نحو التنمية الرشيدة.
وكي نخرج جميعا من عنق الزجاجة التي خلقها أصحاب نظريات تصادم الحضارات ووقع فيها ضيقو الأفق من المتطرفين والتكفيريين، نود أن نطرح مجموعة من الأفكار مساهمة في الحوار الهادف إلى إيجاد مخرج من الأزمة الحالية.

الدول الغربية ومسؤولياتها

1- يجب على الدول الغربية أن تقتنع تماما أن الحلول الأمنية لن تنهي أزمة الإرهاب، وعليها أن تعترف علنا وبدون مواربة أنها جزئيا مسؤولة عن استفحال الظاهرة للطريقة الرعناء التي تعاملت فيها مع العرب والمسلمين. إذا كانوا يعتقدون أن احتلال العراق ومناظر «أبو غريب» وما جرى في الفلوجة ورؤية صواريخ التوماهوك تمطر على بغداد وقتل مئات الألوف تحت حجة واهية كاذبة ظالمة وهي «أسلحة الدمار الشامل»، لن يكون لها رد فعل لدى جيل من الشباب شاهد ما جرى بعينيه وأصيب بالقهر والإحباط والإحساس بالغبن، فهم واهمون. عليهم أن يعترفوا بأنهم خلقوا ظاهرة الإرهاب جزئيا أيام محاربة السوفييت في أفغانستان، عندما كان المتطوعون الذين جندتهم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بتمويل سعودي وحضانة باكستانية – فلما أنجزوا مهمتم وتركوا لمصيرهم تحولوا بين ليلة وضحاها إلى إرهابيين يجب قتلهم واستئصالهم فانتشروا في الأرض بحثا عن مكان يطبقون فيها أيديولوجيتهم التي نشأت في أفغانستان.
2- يجب ألا يقتصر مفهوم الإرهاب على ما تمارسه الجماعات والأفراد، بل يجب أن يتم توسيع معنى المصطلح ليشمل إرهاب الدولة. وما دامت الدول الغربية بشكل عام والدول الداعمة لإسرائيل بشكل خاص ترفض إدخال مفهوم إرهاب الدولة إلى تعريف معنى الإرهاب ستبقى الازدواجية قائمة وسيظل البون بين الطرفين يتسع لحد الانفجار. إن تبرير ما تقوم به إسرائيل من «إرهاب الدولة» تحت حجة حق الدفاع عن النفس صفعة يوجهها الغرب المستكبر لوجه كل عربي ومسلم وإنسان شريف في هذا العالم.
3- للبحث عن حل ناجع للإرهاب لا بد من البحث عن الجذور التي ينمو فيها ويترعرع. إن الجذور كامنة في القهر والاضطهاد والقمع واستعمار الشعوب ومصادرة خيراتها، ودعم أنظمة الفساد وتمتين العلاقة مع أعداء الشعوب وشيطنة القادة الوطنيين ومحاصرتهم، وتدبير الانقلابات على الحكومات الوطنية واغتيال الزعماء وتدبير الفتن بين الشعوب العربية وبين مكونات الشعب الواحد، واحتلال الدول واضطهاد شعوبها وكل هذا لن يولد إلا الغضب والكراهية. إن أخذ صور التذكارية والرقص بالسيف والتحاضن مع قادة مكروهين من شعوبهم لن يزيد ذلك الحقد إلا تأجيجا.
4- إن الخلط بين حركات التحرر وحركات الإرهاب مرفوض جملة وتفصيلا ولو طبل الغرب كله، وزمر كما يحلو له، لاعتبار حركات المقاومة ضد الاحتلال أينما كان حركات إرهابية، فلن يشتري أحد هذه البضاعة الكاسدة. من حق الشعوب المستعمرة والمحتلة والخاضعة للسيطرة الأجنبية أن تقاوم بكافة السبل المتاحة لممارسة حقها في تقرير المصير، كما نص على ذلك القانون الدولي الممثل بقرار 1514 (14 ديسمبر 1960) والمعنون: إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
5- على الغرب أن يقر بصدق بأن الدم الغربي ليس أغلى من دماء العرب والمسلمين.
6- يجب أن يميز الغرب بين حرية التعبير وخطاب الكراهية والتحريض والإهانة الجمعية لمقدسات ورموز الشعوب الأخرى. ويكفي هذا الغرب نفاقا الذي يحاكم من يشكك أو يقلل من المحرقة أو يكتب شيئا يـُشتم منه أنه معاد للسامية (كما حوكم غارودي وغيره) بينما يصبح شتامو الإسلام نجوما يشار إليهم بالبنان، كالراهب تيري جونز الذي أحرق القرآن علنا. ولو قام إمام مسلم بحرق التوراة علنا لأنها كتاب يحض على العنف والتمييز والكراهية وقتل الأغيار لقامت الدنيا واتهم فورا بمعاداة السامية؟
7- إن استخدام مجلس الأمن غطاء جماعيا لمخططات الغرب أصبح مكشوفا. هذا المجلس مُنع من الاجتماع وإصدار قرار لوقف العدوان على غزة في صيف 2014 وآلاف المدنيين يذبحون بسلاح غربي، بينما يسارع للاجتماع وإصدار القرارات الواحد تلو الآخر عندما يلائم ذلك المصالح الغربية، كما فعل في العراق وليبيا وأفغانستان والصومال. لقد استخدم هذا المجلس ليشكل درع حماية للجرائم الإسرائيلية ضد العرب والفلسطينيين بسبب الفيتو الأمريكي.
8- على الغرب أن يعرف وأن يتصرف على أساس تلك المعرفة إذا فعلا يريد أن ينتصـــر على الإرهاب، للعمل على حل المأساة الفلسطينية التي صنعها بيـــديه ظــــلما وزورا وبهتانا، حلا عادلا حقيقة يقوم أولا على حق العودة لإنهاء مأساة أكبر تجمع لاجئين في العالم وأطـــولهم زمنا. وما دام الجرح الفلسطيني مفتوحا فلا يتوقعن أحـــد أن الصـــورة القبيحة للغرب عموما وللولايات المتحدة خصوصا، التي تحمي إسرائيل وتسلحها وتـــمولها أن تصبح صورة جميلة لأنها تقدم مساعدات إنسانية أو تستقبل وفودا رسمية أو تتبادل الزيارات مع مسؤولين مكروهين أصلا من شعوبهم.
9- وأخيرا لا بد من الحد من ظاهرة التطرف اليميني ضد الجاليات المسلمة في الدول الغربية. لا يتوقعن أحد أن تنمو النزعات العنصرية الشوفينية ضد المسلمين في الغرب ولا يكون لها ردات فعل لدى هذه الجاليات. إن الانصهار يحتاج إلى أجواء إيجابية، فالاعتداء على المساجد والمراكز الإسلامية أصبح ظاهرة تنذر بردود فعل مساوية للفعل وفي الاتجاه المعاكس.

الدول العربية والإسلامية ومسؤولياتها

1- إن تكرار الإدانة اللفظية للعمليات الإرهابية لم يعد يعني شيئا، وعلى المعنيين بمحاربة الإرهاب فعلا لا قولا، أن ينظروا حقيقة في المرآة ليروا مواقع القبح في ما بنوه من دول كثير منها لا ينتمي إلى ثقافة العصر ولا مناهج التعليم الحديثة ولا مواكبة التطورات العلمية، بل إن هناك دولا ما زالت تنتمي للعصور الوسطى فكرا ونظاما وممارسة. واعتقد أن اغتصاب السلطة عن طريق الانقلاب أو التوريث الممجوج على طريقة كوريا الشمالية أو الانتخابات المزورة أشكال قبيحة من إرهاب السلطة ضد مواطنيها.
2- إن كتم الأنفاس ومنع الأحزاب ومصادرة حرية الرأي والتعبير والتجمع وحرية السفر والتنقل، وحظر تكوين الجمعيات والرقابة على كل شيء وتهميش المرأة ومعاملتها كسقط المتاع، لا يمكن إلا أن تؤدي إلى الاحتقان الجمعي الذي يشجع الجماعات المتطرفة كي تعمل في الظلام وتحت الأرض وفي الزواريب والأقبية وهي المقدمة المؤكدة للإرهاب.
3 ـ يجب إعادة النظر في كل المناهج التدريسية، خاصة في دول الخليج التي ترسم صورة غير واقعية وغير حقيقة للتاريخ الإسلامي، الذي تصوره على أنه خال من كل عيب وأنه تاريخ قائم على الحرب بين المسلمين والكفار، حيث تنتهي كافة المعارك بانتصار المسلمين. كما أن هناك الكثير من الإشارات التي تحقر الآخر والأديان الأخرى وغير المسلمين وتقسم العالم إلى دار إيمان ودار كفر، ثم يخرج المعلم من الدرس ليستخدم كل ما يجعل حياته مريحة من الوسائل التي اخترعها «الكفار» من سيارة وثلاجة وهاتف وكهرباء وحاسوب يربطه بالعالم ومكيفات وغير ذلك؛
4 ـ يجب الاعتراف بأن الفكر السلفي الذي تم تصديره من دول الخليج إلى العالم قد كان الحاضنة التي فرخت فكر الإرهاب. لا يمكن أن نتوقع بعد سنين طويلة من التثقيف باتجاه معين أن يكون الناتج مختلفا عن المقدمات.
5 ـ يجب على الجماعات التي تطلق على نفسها «علماء الإسلام» وأصحاب الفتاوى وعلماء الأزهر وكبار الباحثين الإسلاميين أن يلعبوا دورا حقيقيا ومتقدما في تعميم ثقافة التسامح وقبول الآخر، خاصة في ثلاثة مواضيع: المساواة بين الرجال والنساء، والمساواة بين أتباع الإسلام وأتباع الديانات الأخرى والمساواة بين أبناء البلاد والأقليات بدون تمييز مبني على العرق أو الدين أو الأصول. إنها الشروط الأساسية للمواطنة المتساوية وما عدا ذلك فلا يتشدقن أحد بالوحدة الوطنية.
6 ـ يجب أن تحسم مسألة حرية الدين والمعتقد وأن يترك الناس لشؤونهم فيما يختارون من شكل العلاقة مع إلههم بدون تدخل من الدولة.
7ـ وأخيرا على الأقليات المسلمة في الدول الغربية أن تنهي هذه الازدواجية: يفرون من بلاد الاضطهاد إلى الغرب للاستمتاع بأجواء الحرية والفرص الواسعة وحرية العبادة والتعبير والتجمع من جهة، ثم يريدون أن يقيموا معازل داخل تجمعاتهم يمارسون تعدد الزوجات ولبس البرقع وأحيانا يرتكبون جرائم شرف ضد بناتهم ويسبون من على المنابر ديار الكفر والكفار. إذا كانوا يرون فيها ديار الكفر والكفار فليعودوا إلى بلادهم لإقامة شعائر الدين كما يفهمونها.
هذه دعوة غير مكتملة للحوار المفتوح للوصول إلى مانفيستو متكامل لحل المعضلة القائمة بين العنصرية والتهميش والاضطهاد والقهر من جهة، والتطرف والتكفير والإرهاب من جهة أخرى.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية