ما أثر التغير الأخير في السياسة الأمريكية على العراق؟

أثارت زيارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، إلى الشرق الأوسط، ولقاؤه مع زعماء العالم العربي والإسلامي، تساؤلات حول دوافع الإدارة الأمريكية الجديدة من هذه الزيارة، ومدى واقعية التحولات الجذرية المراد تغييرها على الأرض، بعد تعدي تطرف تنظيم «الدولة» (داعش) والمد الطائفي الإيراني الحد الإقليمي وانتشاره دوليا.
فعلى الرغم من وضوح موقف الرئيس الأمريكي من تنظيم «الدولة»، ومن خطورة حزب الله في لبنان وسوريا، والدور الخطير الذي تلعبه ميلشيات الحوثي في اليمن، ناهيك عن الإشارة إلى إيران كدولة راعية للإرهاب، إلا أن الموقف الأمريكي من مستقبل العراق وشكل الدولة العراقية المقبلة، بعد تحرير مدينة الموصل بقي غامضا، إذ أخذنا بعين الاعتبار حالة الخصوصية التي يتمتع بها العراق، نتيجة للتواجد الأمريكي ـ الإيراني المشترك، وتوافقهما الغريب في عملية إعادة بناء الدولة العراقية منذ 2003، من خلال السماح لأحزاب إيران في إدارة المؤسسات والتغلغل في عمقها السياسي والاجتماعي.
يتفق المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون على حد سواء، في أن توافق الجانبين على غزو العراق، ساهم في إعطاء الأهمية للدور الإيراني وأحزابه ومؤسساته العسكرية، انطلاقا من الحاجة الأمريكية لدعم القوى والدول المعارضة للنظام السابق في عملية غزوها للعراق، بعد تزايد مقاومة العراقيين للوجود العسكري الأمريكي، واستغلال وجود الاختلاف المذهبي بين أغلبية فصائل المقاومة للاحتلال الأمريكي، وأحزاب الدين السياسي العراقية التابعة لمرشد الجمهورية الإيرانية، وانسجاما مع اتفاق إدارة اوباما السابقة، في ما يتعلق بملف إيران النووي، التي تجعل من ميليشيات «الجمهورية الإسلامية» الشريك المهم في قتال تنظيم « داعش » في العراق، لأسباب لوجستية تتعلق بعدم قدرة واشنطن والدول المتحالفة معها في المغامرة مرة أخرى، من خلال نقل قوات عسكرية كبيرة، كما حدث في عملية الغزو 2003 وما رافقها من خسائر بشرية هائلة في الجيش الأمريكي على التراب العراقي.
إلا أن التغيرات المفاجئة التي طرأت أخيرا على طبيعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، قد وضعت الأمور في نصابها وثوابتها. وكما يقول ونستون تشرشل، «في السياسة لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم، ولكن توجد مصالح دائمة» لا تقف في وجود دولة مارقة وأحزاب طائفية وضعت واسندت لفترة معينة، ولأهداف خاصة، استفاد منها الغرب في إدامة نجاح استراتيجيته الثابتة للشرق الأوسط ولمصادر الطاقة العملاقة التي لم تنضب بعد.
من هنا يبدو واضحا، ان التغير الحاصل في الموقف الأمريكي الجديد، والاختلاف الكبير بين توجهات إدارة أوباما وإدارة دونالد ترامب، ينطلق من حاجة أمريكا إلى التأقلم، لظروف وأهداف، تم التخطيط لها مسبقا، للاستفادة في دعم استراتيجيتها الثابتة، المتمثلة في الوجود السياسي والاقتصادي الدائم في الشرق الأوسط، حيث يبقى من السابق لأوانه التنبؤ باحتمال حدوث حرب أمريكية وشيكة على إيران، على الرغم من جدية التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي للنظام الإيراني، بشن حرب خارجية على أذرعه العسكرية في لبنان وسوريا واليمن.
لا شك في أن للاستراتيجية الأمريكية نفسها، أهدافا ثابتة في ما يتعلق في علاقتها مع إيران، ودورها المرتبط مع الاقتصاد الغربي والعالمي في منطقة الخليج العربي. فعلى الرغم من الأهمية الجغرافية والاقتصادية لإيران وعلاقتها القديمة مع الغرب، بيد ان لإدارة ترامب رغبة حقيقية لمنع النظام الثيوقراطي في قم وطهران من تطوير السلاح النووي والتقليدي، ودفعه للعودة إلى داخل الحدود، والتركيز الفعلي على قطع أذرعه الممتدة في العالم العربي، ومن ثم منع الحرس الثوري والمليشيات التابعة له من وضع اليد على الأراضي التي يتم تحريرها من تنظيم الدولة « داعش » وقطع طريق بغـداد ـ دمشق، وترك مهمة إعادة ترتيب الأراضي المحررة لقيادة التحالف الأمريكي في العراق، بالتنسيق مع حكومة كردستان العراق والحكومة المركزية في بغـداد.
يبدو أن استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، فضلت إنهاء دور الحشد الشعبي، والعمل على قطع الدعم اللوجستي الإيراني له، والاعتماد على قدرة وكفاءة الجيش العراقي الرسمي للقيام بالمهمة بمفرده، ومن ثم البدء بإعادة بناء الدولة العراقية الجديدة.
يبقى السؤال المهم الذي يتعلق بالوضع العراقي المقبل، هو في مدى احتمال قبول الأحزاب القريبة من إيران بالمشهد السياسي الجديد، إذا أخذنا بعين الاهتمام، العلاقة المزدوجة التي تربط الأحزاب الحاكمة في بغـداد مع واشنطن وطهران، حيث من الأرجح أن تلغي المعطيات الجديدة التي ستنفذها الإدارة الأمريكية، ازدواجية هذه العلاقة وفصل إحداهما عن الأخرى، والتي لم تعد تصب في خدمة ومصلحة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق. وهذا ما قد يساعد على إضعاف الموقف الإيراني ومنعه من جعل العراق مسرحا لصراع أمريكي – إيراني لتصفية الحسابات، ليكون الشعب العراقي هو الخاسر الوحيد.
لقد أصبح واضحا ومن خلال التغيرات الجديدة في مواقف الأحزاب الدينية الحاكمة، وخطابات زعمائها، سواء في موقف رئيس الوزراء حيدر العبادي من تجاوزات المليشيات، أو من خلال دعوة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر إيران، إلى اتباع سياسة الابتعاد عن «المهاترات السياسية والطائفية» التي تؤثر سلبيا على دول المنطقة، إلى حتمية دخول البلاد لمرحلة صراع بين المليشيات الإيرانية التي انتهى مفعولها وبين الأحزاب الحاكمة نفسها التي قد ترى في نهاية التواجد الإيراني، الفرصة الوحيدة لركوب الموجة الأمريكية للمشاركة في نظام جديد يستمد قوته بما يحملونه من طائفية مذهبية ولكن بنكهة «عروبية» كاذبة هذه المرة، لم تعد قابلة للتصديق والاحترام من قبل العراقيين.
كاتب عراقي

ما أثر التغير الأخير في السياسة الأمريكية على العراق؟

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية