ما أقساك يا وطن: نجوم التلفزيون يستجدون عيشا كريما!

يرسم جمهور التلفزيون والسينما صورا مثالية عن الممثلين/ النجوم، انطلاقا من القدرات العالية التي يبرزونها في تقمّص الأدوار المختلفة، وكذلك انطلاقا من حضورهم المستمر في الشاشة الصغيرة أو الكبيرة. ومن ثم، فالبلدان التي تحترم الإبداع توفّر للنجوم وضعا اعتباريا وماديا يضمن لهم كرامتهم، ويُبعد أيّة خدوش يمكن أن تلحق بتلك الصورة المثالية التي ترتسم في مخيّلة الجمهور.
أما في المغرب، فهناك مفارقة كبرى تطرح نفسها في هذا المجال: بقدر ما تُسلَّـط الأضواء الكاشفة على النجوم في الأعمال الدرامية وفي المهرجانات الفنية والريبورتاجات التلفزيونية، فيتخيلهم البعض يرفلون في بحبوحة العيش، بقدر ما يكشف واقع الحال عن خلاف ذلك تمامًا بالنسبة للعديد من الممثلين والممثلات (وليس كلهم طبعا)، فكثير منهم يعاني شظف الحياة، ولكنه قلّما يجهر بذلك تعففا أو كبرياء، إلاّ حين يطفح الكيل، حينها يظهر الوضع المرير الذي يحياه هذا الفنان أو ذاك، في غياب أية رعاية اجتماعية وأي ضمان صحي أو تكفل مادي من لدن الدولة.

ممثلة تتحول إلى متسولة!

آخر الحالات المأساوية التي طفت على السطح في الآونة الأخيرة، حالة الممثلة المغربية سلوى الجوهري التي أطلقت شكواها بالصوت والصورة عبر أحد المواقع الإلكترونية، بعدما بلغ السيل الزبى، حيث كشفت أنها تعاني الفقر والمرض والإهمال، وقالت إنها تراودها بين الحين والآخر فكرة الخروج للتسول واستجداء الصدقات من أجل الظفر بلقمة العيش، بعدما هجرها المخرجون والمنتجون، ولم يعودوا يدعونها للمشاركة في أعمالهم الدرامية. وتساءلت بحرقة: هل لأنني كبرت في السن لم أعد أصلح للمسلسلات والأفلام؟ كلاّ، يمكنني أن أؤدي دور الأم أو الجدة، أو حتى دور «كومبارس»!
مثل هذه الحالة تنطبق على ممثلات وممثلين آخرين، يتألمون في صمت وفي ظل جحود ونكران للجميل من طرف المؤسسات المعنية، إذ لا أحد تقريبا يسأل عنهم، وإنْ تحالف عليهم العدوّان: الفقر والمرض، حتى إذا رحلوا عن دنيانا الفانية، صار الكثيرون يندبونهم ويرثونهم ويعدّدون خصالهم وعطاءاتهم، وتخصّص لهم التلفزيونات ريبورتاجات وبرامج عديدة! رغم أن كل ذلك لا ينفع في شيء، بعدما أصبح المعني بالأمر في خبر كان.

مذيع سابق مهدد بالطرد من بيته!

وإذا كان هذا التوصيف يسري على العديد من الممثلين والممثلات، فإنه ينطبق أيضا على نجوم آخرين للشاشة الصغيرة، إنهم المذيعون الذين إذا تواروا عن الأنظار، غاب السؤال عنهم وعن أحوالهم؛ مثلما وقع للمذيع المتألق محمد الراضي الليلي مقدم النشرات الإخبارية الرئيسية، فبعد إبعاده من العمل التلفزيوني بسبب خلاف مهني مع مديرة الأخبار منذ حوالي ثلاث سنوات، غاب صوته وصورته، وصار لا يظهر إلا لماما في بعض المواقع الإلكترونية، إلى أن طفا على السطح أخيرًا نبأ الوضع المادي الصعب الذي يعيشه، حيث بات مهددا بالطرد من بيته وبيع المنزل في المزاد العلني إذا لم يستطع تسديد أقساط ديْن البنك! وأطلق «فيسبوكيون» حملة للتضامن مع هذا الصحافي، موجهين نداء إلى كل المحسنين والفاعلين الاقتصاديين والإعلاميين والجمعويين «للتدخل العاجل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه والمساهمة في تجنيب أسرته وأبنائه التشرد.»
ويبدو أن الحظ العاثر يأبى إلا أن يلاحق الصحافي المذكور، فعقب خسران معركته مع إدارة الإذاعة والتلفزيون، يهدده المصرف مانح قرض السكن تهديدا لا شفقة فيه ولا رحمة: إما تسديد متأخرات السلف، أو الشارع! فهل الوطن قاس إلى هذه الدرجة: يعجز عن ضمان عيش كريم لأبنائه، ويدفع نجوم التلفزيون إلى الاستجداء الذليل من أجل توفير الشروط الدنيا للحياة؟ بينما يكون سخيا مع البعض ممّن يُطلق عليهم «خدّام الدولة»، فيغدق عليهم الأملاك العقارية ورخص المواصلات والصيد في أعالي البحار!

«التشبيب» حق يراد به باطل!

وبعيدا عن حالة الصحافي محمد الراضي الليلي، يبدو أن التلفزيون المغربي يمارس نوعا من الجحود ونكران الجميل مع أبنائه الذين ساهموا في إشعاعه وبناء مجده، سواء تعلق الأمر بالرواد الذين ما زالوا على قيد الحياة والذين يمكن الاستفادة من عصارة خبراتهم، أو تعلق بالمخضرمين الذين أُبعدوا عن الشاشة تحت ذريعة التشبيب، أي ضخّ دماء شابة في تقديم البرامج والأخبار.
والواقع أن هذا المبرر «حق يراد به باطل»، ذلك أنه يؤدي ـ في حالات كثيرة ـ إلى فتح المجال أمام مَن تُعوزهم الكفاءة والخبرة، حيث يتركهم المسؤولون «يتعلمون» بمراكمة الأخطاء والقصور المهني. وفي هذا الإطار، لا يُستساغ ترك مهمة تقديم نشرات الأخبار الرئيسية لحديثي العهد بالمهنة، لاعتبارين اثنين:
ـ أولا، لكون وجوههم وملامحهم تبدو غير مقنعة وغير جدّية بما يكفي وبما يعطي مصداقية وجاذبية للأخبار التي يقدمونها. ولنا في التجربتين الفرنكفونية والأنجلوفونية خير مثال على ذلك، فتقديم النشرات الإخبارية يوكل لمذيعات ومذيعين كهول ممّن حققوا تراكمات مهمة وتدرجا متتاليا في العمل الإعلامي.
ـ وثانيا، للارتباك والضعف الكبيرين اللذين يظهران على عدد من المذيعين الجدد، سواء حين يفقدون التحكم في ملقّـن شريط الأخبار الذي يتابعونه بأعينهم (Teleprompter) فيضطربون ويتلعثمون، أو حين يستضيفون ـ في «بلاتوه» الأخبار ـ شخصية سياسية أو اقتصادية أو فكرية، وهنا، تكون الأسئلة ضعيفة ومهلهلة، وتغيب سرعة البديهة لدى المذيع الذي يحاول الانفكاك من مأزقه اللغوي والتعبيري بتغيير مجرى الحديث إلى العامّية، حين تكون الأخبار باللغة العربية الفصحى.

كاتب من المغرب

ما أقساك يا وطن: نجوم التلفزيون يستجدون عيشا كريما!

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية