مطلع الشهر الجاري وحين كان الرئيس التونسي في زيارة إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، خطب في نواب البرلمان الاوروبي ليذكرهم بحقيقة جغرافية يعرفها طلبة المدارس وهي، أن بلاده لا تقع في غابات الامازون أو براري استراليا، بل في «اقصى شمال القارة الافريقية وبالقرب من اوروبا».
وأنها طالما اعتبرت جارتها الشمالية «منطقة امتداد طبيعي لها، وأن ذلك القرب قد طبع تاريخها على مدى ثلاثة الاف عام» وربط مصيرها على الدوام بمصير اوروبا وجعلها عرضة لتأثيراتها واحيانا تقلباتها واحتلالها، لكنها «حافظت على علاقات متينة ومنسجمة معها ومع شعوبها، وظلت تتطلع دوما للمستقبل قبل الماضي». ولانه كان يعلم جيدا أن سرد الحقائق الجغرافية والتاريخية قد لا يفيد كثيرا في تحريك المواقف وزحزحتها، فقد استطرد مباشرة بعد ذلك القول ليذهب إلى صلب الموضوع ويلوح بورقة رأى انها اكثر تأثيرا وفعالية. لقد قال لهم إن تونس «مستهدفة من قبل الارهابيين، لأن نموذجها الديمقراطي والاجتماعي والثقافي يعاكس رؤيتهم القاتمة». واضاف بأن بلاده «موجودة في الصف الاول المحارب للارهاب، وتستحق الدعم من أجل جهودها». وهذا ما يعني باختصار وبساطة انه طالما لم يدفع الشماليون الثمن الضروري والمطلوب، فلن يظل حائط الصد الذي تمثله تونس في جنوب المتوسط صلبا ومنيعا أمام أي اختراقات أو هجومات مقبلة في القارة العجوز. ورغم أن المناسبة كانت فريدة واستثنائية بانعقاد أول قمة اوروبية تونسية في العاصمة البلجيكية بروكسل، فإن اهم شيء لفت انتباه الاعلام المحلي لم تكن قدرة الرئيس على إقناع ساسة الضفة الشمالية بأهمية الروابط الوثيقة والقديمة التي تجمع الجانبين، وأن نجاح البلد الصغير سوف يعني نجاح اوروبا بأكملها، وفشله سوف يؤدي إلى فتح باب المشاكل والأزمات الاضافية أمامها على مصراعيه، بل فقرة قصيرة من حديث تلفزيوني أدلى به لقناة «يورونيوز» الاخبارية اثناء الزيارة، ثم جزءا من حوارا مقتضب أجرته معه وكـالة الانباء الفرنسية خلال الاربع والعشرين ساعة التي تلتها حول موقفه من مسألة داخلية باتت تكتسي قدرا من الحساسية والتعقيد.
لقد قال الباجي قائد السبسي في ذلك الحديث، ردا على سؤال المذيع عن التدابير التي اتخذتها تونس في حال عودة مقاتلين من تنظيم «داعش» إلى البلد: «أولا نحن لا نمنع اي تونسي من العودة إلى بلاده، وهذا مبدأ دستوري. ثانيا أن كل شخص يعود بما يحمله من خصاله أو مساوئه ولابد من أن نتعامل مع العائد أمنيا وسياسيا بما يقتضيه الوضع، لاننا في تونس اتخذنا الاحتياطات اللازمة بالنسبة لجاليتنا. والذين يرغبون بالعودة فمرحبا بهم لكن كل انسان يعرف انه يعود بأفعاله».
وحين أراد المحاور أن يستوضح إن كان المقصود بالافعال تلك التي حصلت قبل العودة، أو قد تحصل بعدها، كان جواب الرئيس هو»افعاله قبل العـودة وبعد العودة لان ما فعله قبل العودة فيه الدليل على سلوك ينبغي الاحتياط منه».
ولكن الغموض والالتباس زاد، حين صرح في اليوم الموالي لوكالة فرانس براس رداعلى السؤال نفسه «بأن خطورتهم ( اي المقاتلين التونسيين في الخارج) باتت من الماضي، والعديد منهم يرغبون بالعودة ولا يمكننا منع تونسي من العودة إلى بلاده فهذا امر يكفله الدستور، لكن من البديهي اننا لن نستقبلهم بالاحضان وسنكون يقظين، لن نضعهم جميعا في السجن، لاننا إن فعلنا لن يكون لدينا ما يكفي من السجون، بل سنتخذ الاجراءات الضرورية لتحييدهم». لقد جعلت تلك التصريحات جريدة «الشروق» المحلية التي طالما اشادت بكاريزما التسعيني، تكتب على صدر صفحتها الاولى بان قائد السبسي يخرق القانون. ثم يضيف رئيس تحريرها في مقال ناري شديد اللهجة بانه ليس متأكدا إن» كان رئيس الدولة وهو يطلق تلك التصريحات قد حسب حسابا لحقيقة أن البلاد في حالة طورائ وتخوض حربا على الارهاب؟» وإن كان قد «استحضر معنى أن نزج بالذئاب الشرسة والمفترسة داخل مجتمع آمن ومسالم». وهل» انه يريد أن يقول إن الحرب على الارهاب انتهت؟ أو انها اصبحت بلا معنى لنسمح هكذا بكل بساطة بعودة آلاف الشباب الذين تمرسوا على القتل والتدمير والتنكيل بالبشر واطلاقهم في الطبيعة بدعوى اننا لا نملك سجونا تتسع لهم؟ واي معنى يبقى للقانون اذا كان ضيق السجون أو حتى انعدامها يمكن أن يشكل مبررا لاطلاق المجرمين والمنحرفين؟». وحتى بعد نشر مصالح الرئاسة لما وصف بالتوضيح الرسمي لكلام الرئيس، فلا يبدو أن ذلك كان كافيا لوضع النقط على الحروف وازالة الابهام واللبس بشكل تام ونهائي، في مسألة تكتسي قدرا من الحساسية الشديدة، وينظر لها في تونس على انها القشة التي قد تقصم عاجلا ام اجلا ظهر توافق صعب وهش، بين من يوصفون بالاسلاميين المعتدلين ومن يعتبرون امتدادا عضويا للنظام القديم. فالثابت حتى الان ألا وجود لرؤية أو تصور موحد للطريقة التي سيتم التعامل بها مع الشباب، الذي قد يقرر لسبب أو لآخر أن يعود، مما باتت تصنف ببؤر توتر وارهاب، وهي اساسا العراق وسوريا. ولا يبدو أن الموقف الرسمي التقليدي الذي يقوم على فكرة أن القانون وحده سيكون الفيصل في الموضوع، وسيطبق عليهم بالحزم المطلوب سوف ينهي القصة ويضع حدا لمشكل جدي ومعقد بات يؤرق السلطات ويثير قلقا متزايدا حتى في دول الجوار الاقليمي. وما يفهمه معظم التونسيين من ذلك الموقف هو أن تنزل بالعائدين اقصى العقوبات وأشدها، ويزج بهم داخل السجون والمعتقلات بغض النظر عما ارتكبوه، أو فعلوه خلال المدة التي قضوها بعيدا عن البلد. فالقانون لا يعني بنظرهم شيئا اخر غير القوة والصرامة، ولا مجال فيه للرحمة والانصاف، وهو بالنهاية ليس سوى عصا غليظة يستخدمها الحكام لتأمين مواقعهم من المخاطر والتهديدات، وليس وسيلة لحماية المجتمعات وتأمينها.
إنهم يتصورون بفعل التركيز الاعلامي المستمر أنه لا بديل عن الحل الامني الذي جربه بورقيبة، ثم أوغل فيه بن علي، وأن الحديث عن توبة أو عفو أو مراجعات مع من يوصفون بالقتلة والارهابيين لن يكون مجديا أو مفيدا، بل سيقوض أسس الدولة ويعجل بانهيارها وخرابها. ويرون أن ما قاله الرئيس السبسي الجمعة الماضي لمراسل العربية نت من انه «لا تسامح ولا عفو ولا قانون توبة مع الارهابيين» هو الاصل الذي كان حريا أن يتمسك به ويقوله لـ»يورونيوز» ووكالة الانباء الفرنسية. والسبب كما ذكر مفتي الجمهورية في حديث لصحيفة «الصباح» المحلية هو « ألا احد يثق في صدق توبة العائدين من بؤر التوتر وندمهم، خاصة قياداتهم ومنظريهم ومشجعيهم وهم لا يفكرون بالتوبة على ما يبدو حقيقة وانما تقية وخداعا».
أما الالتباس الحاصل هنا فهو أن التداخل في مسألة التوبة بين كونها احساسا ذاتيا من جانب، وانعكاسا سلوكيا واجتماعيا من جانب اخر يجعل التأكد من صدقيتها امرا صعبا ومعقدا. هل تحتاج الدولة اذن لجهاز سحري لتمييز الكاذب عن الصادق والتائب الحقيقي عن المزيف؟ أم انها مطالبة مثلما يردد كثير من الاعلاميين المحليين بقطع العروق وتجفيف المنابع وغلق الأبواب نهائيا أمام كل التائبين الصادقين وغير الصادقين على السواء، درءا للمفاسد والمخاطر المرتقبة؟ ثم من يحدد طبيعة تلك المخاطر؟ ومن يعرف بالضبط حقيقة الجرائم والانتهاكات التي يتهم بها من يوصفون بالارهابيين؟
لقد طالب البعض على صفحات فيسبوك بأن يتولى بشار الاسد انجاز المهمة وان يقوم بدلا منهم بالقضاء على كل «الدواعش التونسيين» وأن لا يترك احدا منهم على قيد الحياة، حتى لا يعود إلى تونس ويفكر بتكرار التجربة فيها. ولكن هل أن وضع المئات أو الالاف في السجون أو قتلهم سيحل المشكل ويقطع سلالة الانتحاريين والمتشددين عن بكرة ابيها؟ أم انه سيكون مسكنا مؤقتا سريع الزوال ومحدود الفعالية؟ ربما لو تعلق الامر بمجموعات محدودة أو باعداد قليلة وصغيرة من الافراد المعروفين لكان ممكنا أن يتم التعامل معهم بتلك الطريقة الهتلرية القصوى، ولكن الموضوع اكبر من ذلك. انه يتعلق بالمستقبل الغامض والمجهول لالاف اخرين من الشباب التونسي الممزق والمقطع بين مشاعر دينية مهزوزة وانحرافات اخلاقية وسلوكية مريعة. ولعل الانطباع الاولي الذي سيرسخ في اذهان هؤلاء متى اغلق الباب بالكامل امام توبة المتهمين بالضلوع ولو بشكل غير مباشر في عمليات قتل أو ارهاب، هو أن الدولة لا تغفر ولا تسامح الا اللصوص والقتلة الكبار بدليل ما حصل في محاكمات قادة ورموز النظام السابق، وتتشدد بالمقابل مع زلات الصغار وسقطاتهم، وتصم آذانها وتغلق عيونها عنهم وعن كل طلباتهم للتصالح والتقارب معها. ومادامت تلك الازدواجية قائمة وموجودة فان المعادلة القديمة ستستمر وستتواصل معها المعارك المفتوحة مع الاشباح. ولان مصير العائدين إلى تونس قد يكون مهما فان ما سيلحق باليائسين والمحبطين داخلها وحجمهم وعددهم اكبر، ينبغي أن يشغل التونسيين مادامت طريقة التعامل مع الملف ستعطي لهم اشارات ايجابية أو سلبية، مثلما سترسل بالتأكيد رسائل قوية ومباشرة للجيران الشماليين الذين زارهم قائد السبسي بحثا عن دعمهم في حربه المعلنة على الارهاب.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية