لما دارت عجلات طائرة «العال» وتأهبت للإقلاع من مطار باريس فجر الثالث عشر من الشهر الجاري كانت حالة الترقب والاستنفار الرسمي على أشدها في الجانب المقابل بمطار بن غريون. الطائرة حملت على متنها أحياء وكذلك جثثا لأربعة من اليهود لقوا حتفهم قبل أيام في عملية المتجر المعروفة في احدى ضواحي باريس، وبذل الاسرائيليون جهدا لجلبها الى تل ابيب لتدفن لاحقا في إحدى مقابر القدس المحتلة.
بالمقاييس الإسرائيلية عد نقل الجثث انجازا دبلوماسيا لافتا، وبحسب ما ذكرته العديد من المصادر الاعلامية فقد قوبل العرض «السخي» الذي قدمه وزير الخارجية الاسرائيلي الى عائلات القتلى لاجراء مراسم الدفن في القدس المحتلة بدلا من فرنسا، بموافقتهم بالاجماع وبلا ادنى تحفظ. لكن قبل أن يحصل ذلك كانت عملية المتجر الباريسي وما تلاها من ردود أفعال، فرصة لكشف الغطاء عن تناقضات وحالات انفصام ظلت مدفونة ومحجوبة زمنا طويلا تحت ركام الوطنية. فبمجرد ان وردت انباء حادثة المتجر سارع بنيامين نتنياهو في خطاب تلفزيوني الى التأكيد على انه يعتزم القيام بإجراءات فورية لتسريع هجرة اليهود الفرنسيين والأوروبيين الى الكيان العبري، وتوجه لهؤلاء بالقول «لكم جميعا أقول إن دولة اسرائيل ليس فقط الوجهة التي تولونها في صلواتكم إنها ايضا بيتكم… وكل اليهود الذين يرغبون بالهجرة اليها سوف يستقبلون بحرارة وبأذرع مفتوحة». تلك الكلمات أثارت على ما يبدو حفيظة رئيس الوزراء الفرنسي وجعلته يرد على الفور بان» فرنسا بدون اليهود ليست فرنسا». حالة التعبئة والحشد الاعلامي الفرنسي بعد حادثة «شارلي إيبدو»، ثم المتجر اليهودي تحولت الى منافسة حامية الوطيس بين الاسرائيليين والفرنسيين، من اجل كسب ود اليهود وتقديم الوعود والترضيات لهم. ففرنسا كثفت من طوقها الأمني على مدارسهم ومعابدهم، وقادة الطائفة اليهودية ورموزها استقبلوا في قصر الايليزيه وتلقوا تطمينات وصفها كبير الأحبار في تصريح لصحيفة «لوفيغارو»، «بالمهمة التي تدل على عزم الحكومة على بذل كل ما باستطاعتها لحماية دور العبادة والمدارس»، لكن ذلك لم يعد كافيا، فبحسب ما يذكره كبير الأحبار في الحديث نفسه فانه بات مطلوبا بذل المزيد لـ»دعم الترسانة القانونية حتى يصبح بإمكان اليهود ان يعيشوا بأمان» على حد وصفه.
الاسرائيليون الذين استقبلوا العام الماضي سبعة آلاف يهودي فرنسي وفقا لارقام الوكالة اليهودية، أي بزيادة قدرت بنحو130 بالمئة مقارنة بالعام السابق صاروا يبيعون كذبة «ارض الميعاد» بالحوافز، و يقدمون اغراءات ومكافآت مالية وجبائية قد تشد اهتمام الكثير من اليهود داخل قارة تعاني الكثير من دولها انكماشا اقتصاديا ملحوظا. وبين ما يقدمه الطرف الأول وما يطرحه الثاني تدور عملية ابتزاز مفضوحة يقدم فيها يهود فرنسا ومن ورائهم باقي يهود القارة العجوز عرضا صعبا ومشروطا بالاستمرار في البقاء داخل المجتمعات الاوروبية، لكن وفق ضوابط جديدة أمنية في الظاهر وحضارية في الباطن، أو التهديد في المقابل بهجرة جماعية الى الحضن الاسرائيلي المفتوح لهم باستمرار، مثلما يؤكد نتنياهو وغيره من قادة الصهيونية ورموزها.
مثل ذلك الابتزاز يجعل كل حديث عن المواطنة في ظل الديمقراطيات الغربية محاطا بجدار سميك من الشكوك حول قدرتها على ان تكون وعاء جامعا للتنوع والتعدد الفكري والديني، وما يعمق ذلك بالتأكيد هو تلك العودة المريبة لموجات الإسلاموفوبيا بأشكال صارخة وحادة وداخل مجتمعات عرفت بتسامحها وانفتاحها على الثقافات والأديان.
لكن مظاهر الانفصام الذي كشفتها أحداث «شارلي إيبدو» والمتجر اليهودي وما تلاها لم تقتصر على التخبط الفرنسي والأوروبي الواضح بين الالتزام المواطني والمشاعر الدينية والعرقية، بل امتدت الى الجوار الجنوبي ايضا، إذ لم تكد تمضي ساعات على تلك الاحداث حتى سارعت بعض وسائل الاعلام المحلية في تونس الى الحديث عن الأصول التونسية لجورج وولنسكي، وايلزا خياط، وهما يهوديان فرنسيان من بين ضحايا عملية «شارلي إيبدو». بدافع التزلف والتضامن المغشوش في مواجهة عدو واحد تم اختزاله داخل تونس وخارجها في الإرهاب، ام لغاية التلميح الى ان للبلد اكثر من هوية ثقافية ودينية تسمح له بالانفتاح على الرسامين القتلى واعتبارهم ضحايا لحرية التعبير؟ لم يسمح تسارع المشاهد وتلاحقها بدءا بمقر الصحيفة ووصولا الى ما جرى داخل المتجر بالتحقق والفرز. لكن سقوط يهوديين آخرين في عملية المتجر ينحدر احدهما من اصول تونسية، فيما يحمل الثاني جنسيتها، منح فرصة للجالية اليهودية الصغيرة داخل البلد لان تعيد فتح باب شارلي وتوابعها لكن بمفتاح تونسي هذه المرة.
فقد وصف بيان صدر عن المسؤولين عنها لإعلان الحداد، «يواف حطاب» نجل الحاخام باتو مدير المدرسة العبرية الذي لقي مصرعه داخل المتجر، بـ»ابن تونس» والحاخام نفسه قال بعد ذلك في حديث مع قناة فرنسا 2 بان اليهود «يحظون باحترام كامل من السلطات والمواطنين»، وانه «حتى عندما أغلقت المدارس أبوابها أثناء الثورة فإن المدرسة التي يشرف عليها ظلت مفتوحة».
وحتى وزير الخارجية التونسية الذي كان في زيارة رسمية الى نيويورك فقد اتصل مثلما ذكرت صحيفة «التونسية» هاتفيا بالحاخام ليقدم له التعازي ويشدد على ان» تونس لا تميز بين ابنائها، وان التونسيين تعايشوا طيلة تاريخهم الطويل مسلمين ويهودا ومسيحيين من دون أي تفرقة» . لكن كل ذلك لم يمنع من ان تكون جثة حطاب واحدة من بين الجثث التي نقلت الى تل ابيب ودفنت في القدس المحتلة. فما الذي جرى ليدفن «ابن تونس» مثلما تصفه الجالية اليهودية في القدس المحتلة؟ هل كانت أقرب اليه من البلد الذي حمل جنسيته وقال عنه والده الحاخام إنه «لم يشعر يوما ما ان حياته مهددة فيه بين إخوانه المسلمين».
رئيسة جمعية الاقليات في تونس التي شاركت فيما وصف بوقفة احتجاجية على صمت الحكومة على مقتل احد مواطنيها قالت في تصريحات اعلامية تعليقا على عملية الدفن بان «ذلك موقف ديني ويجب ان نحترم عائلته في ذلك، وان نبتعد عن التأويلات السياسية ونركز على ما هو انساني». وما هو انساني بالطبع يعني بكل وضوح وبساطة أن نسمح بعمليات التحول والانتقال من المواطنة الى الانتماء العــــرقي والديني، بحسب الأهواء والمصالح والرغبات الشخصية. وبذلك المنطق نعتبر حطاب تونسيا حتى إن قبلت عائلته بالعرض الإسرائيلي لدفنه في القدس المحتلة.
الغريب في الأمر ان الحرص على الأقليات لا يقابل عادة بحرص مماثل على الاغلبية. فمنذ أيام توفي شاب تونسي من المهاجرين غير الشرعيين الى فرنسا. بقيت جثة الشاب أسبوعا كاملا داخل غرفة الأموات في أحد مستشفيات تولوز في انتظار تدخل السلطات الفرنسية والتونسية التي ظلت تتبادل الاتهام بالتقصير. أما وزير الداخلية فقد قال في ندوة حول «الشباب ومخاطر التطرف» بأن السلطات منعت تسعة آلاف شاب تونسي من السفر إلى سوريا، وان الذين تم منعهم من السفر لم « تتم متابعتهم لا من طرف الدولة ولا من جانب المجتمع المدني»، منبها الى ما وصفه بـ»مخاطر تأثير تفكيرهم التدميري على البيئة المحيطة بهم».
في الحالة الأولى، أي حالة الشاب المتوفى في تولوز، ثم في الحالة الثانية، أي حالة الشباب الذين حاولوا السفر الى سوريا، يبدو واضحا ان السلطات تعيش نوعا من التمزق العاطفي والفكري. فهل تعتبرالضحايا والمذنبين ابناء للوطن حتى ان اخطأوا، ام تنكر عليهم الابوة وتنظر اليهم كمجرمين وإرهابيين؟ ذلك هو السؤال الذي يتردد الآن بشكل قوي داخل تونس. أما نهاية حطاب الإسرائيلية فهي لا تطرح أي اشكال او تساؤل خافت او محدود مادام منتميا الى اقلية عزيزة على قلب الديمقراطية التونسية وعقلها، ومادامت تلك الديمقراطية مشغولة مهمومة للآخر باشياء أخرى اكثر استعجالا وأهمية .
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية