تكررت، في الشهرين الأخيرين، ظهور خلافات علنية بين رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وشخصيات مهمة في حكومة أحمد داوود أوغلو. ففي شباط الماضي قدم رئيس جهاز الأمن القومي التركي هاكان فيدان استقالته ليتمكن من ترشيح نفسه إلى الانتخابات النيابية القادمة في السابع من شهر حزيران. الاستقالة التي من المعروف أنها تمت بتشجيع من رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، لاقت استياء علنياً من أردوغان الذي سبق ووصف فيدان بـ»بئر أسراره». وهكذا تراجع فيدان عن ترشيح نفسه وعاد إلى موقعه الخطير نزولاً عند رغبة رئيسه أردوغان.
شكل هذا المسار ما يشبه الفضيحة في الرأي العام التركي الذي يعارض قسم كبير منه ميول التفرد بالحكم لدى أردوغان. فتعبير «بئر أسراري» وحده كان مستفزاً بما فيه الكفاية، لأنه يشخصن العلاقة بين رئيس أرفع مؤسسة أمنية في الدولة ورئيس الجمهورية ذي الصلاحيات المحدودة في الدستور التركي الساري. إضافة إلى أن أردوغان فرض إرادته على فيدان الذي كان يستعد لدخول معترك السياسة بعد سنوات طويلة في إدارة جهاز الاستخبارات. ووراء كل ذلك تكمن رغبة أردوغان في «كسر كلمة» داوود أوغلو وتهميشه لمصلحة قوة أردوغان، بخلاف الدستور الذي يمنح رئيس الوزراء موقع السلطة التنفيذية الأعلى.
وقبل أيام ظهر إلى العلن خلاف آخر بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حول مسار العملية السلمية بين الحكومة وحزب الشعوب الديمقراطي (HDP) الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني. فقد انتقد نائب رئيس الوزراء والناطق باسم الحكومة بولنت آرنتش أمام الصحافيين، علناً، تدخل رئيس الجمهورية برأيه السلبي من تشكيل هيئة مراقبين محايدة مهمتها مراقبة المفاوضات بين الحكومة والطرف الكردي. قال آرنتش إنه ليس من حق السيد أردوغان التدخل في عمل الحكومة. وإذا كان أردوغان اكتفى برد دبلوماسي قائلاً إن من حقه أن يبدي رأيه في قضية مصيرية قادها بنفسه إبان عهده رئيساً للوزراء، فقد جاء الرد العنيف من رئيس بلدية العاصمة أنقرة مليح غوكتشك الذي اتهم آرنتش بأنه من جماعة فتح الله غولن ـ العدو اللدود لأردوغان ـ داعياً إياه للاستقالة. ورد آرنتش على غوكتشك باتهامه بالفساد في رئاسة البلدية. ففتح القضاء تحقيقاً بحق الرجلين بشأن الاتهامات المتبادلة بينهما.
ساد انطباع أولي في الرأي العام مفاده أن هذه الخلافات مصطنعة، الهدف منها إظهار الحكومة ورئيسها بمظهر الاستقلالية عن رئيس الجمهورية. ولكن سرعان ما تأكد للجميع أن الحزب الحاكم يعيش أزمة داخلية حقيقية تتعلق بمدى نفوذ أردوغان المستمر على قيادته، وبالتالي على الحكومة ورئيسها، بعد استقالته من الحزب شرطاً لصعوده إلى قصر الرئاسة وفقاً للدستور التركي. أضف إلى ذلك حالة التململ داخل قواعد الحزب بسبب فضيحة الرشاوى التي هزت مصداقيته لدى كثيرين. وأخيراً هناك «تجديد الدم» الذي يتعرض له الحزب قبيل الانتخابات النيابية، بسبب فقدان الكوادر المؤسسة للحزب حقها في الترشيح لعضوية البرلمان بعد انقضاء ثلاث دورات لها كما ينص النظام الداخلي للحزب. وهكذا سيدخل جيل جديد من كوادر الحزب الحاكم الحياة السياسية وسط تنافس شديد على دخول قوائم الحزب التي يحددها أردوغان كما يقال على رغم خروجه من الحزب. فهو يريد كتلة نيابية موالية له في البرلمان القادم لتصوت لصالح تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي. ولكن، بالمقابل، يتطلب تحقيق هذا الهدف أن يحصل الحزب الحاكم على ثلثي مقاعد البرلمان ليتمكن من تمرير التغيير الدستوري على رغم أحزاب المعارضة. ولن يكون تحقيق هذه النتيجة في الانتخابات بالأمر السهل في ظل توقعات تشير إلى صعود محتمل في للحزب الكردي (HDP) الذي قرر تحدي حاجز العشرة في المئة، وللحزب القومي المتشدد بقيادة دولت بهتشلي. فكلا الحزبين يطمح إلى تغيير المعادلات القائمة بانتقال قسم من جمهور حزب العدالة والتنمية إلى التصويت لصالحهما. ما يعني تآكلاً مزدوجاً في القاعدة الانتخابية للحزب الحاكم. أضف إلى ذلك أن فوز الحزب بأكبر قدر ممكن من مقاعد البرلمان يتطلب تماسكاً داخلياً والتفافاً حول رئيسه داوود أوغلو، في حين تتأذى صورة هذا الأخير كل يوم بسبب تصريحات أردوغان الهادفة إلى تهميش دور رئيس الحكومة في الدولة.
أما ثالثة الأثافي التي من المحتمل أن تؤثر سلباً على تصويت الناخبين للحزب الحاكم، فهو التوقعات المتشائمة بشأن الاقتصاد الذي يشهد مشكلات جدية، في الآونة الأخيرة، ظهرت بصورة ملموسة في انخفاض القيمة الشرائية لليرة التركية بصورة متسارعة تذكر بأسوأ الأزمات التي شهدها الاقتصاد التركي في مطلع القرن، وأدت إلى سقوط الحكومة حينذاك وصعود العدالة والتنمية إلى الحكم. ووفقاً لخبراء ماليين خسرت الليرة التركية، منذ انتفاضة منتزه غزي في حزيران 2013 إلى اليوم، 40 في المئة من قيمتها أمام العملات الصعبة ومن قيمتها الشرائية. الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى معيشة الطبقات الدنيا والمتوسطة التي يصوت قسم كبير منها تقليدياً للحزب الحاكم.
تتضح حجم أهمية العامل الأخير إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن «جوهرة تاج» نجاح أردوغان وحزبه في الحكم إنما هي المعجزة الاقتصادية التي حققاها لتركيا بعد عقود من الإدارات الاقتصادية الفاشلة والفاسدة.
تتمتع الانتخابات النيابية القادمة بأهمية كبيرة في تحديد مصير تركيا. هناك معارضة اجتماعية واسعة تطمح إلى التغيير. لكنها مشتتة ولا تجد القطب السياسي الجاذب والموحد الذي من شأنه تغيير معادلات الحكم ووضع حد لتفرد العدالة والتنمية المديد بالسلطة. من المحتمل أن الحزب سيحصل على الغالبية التي تتيح له تشكيل الحكومة بمفرده للمرة الرابعة على التوالي، لكنها قد لا تكون كافية لتمرير دستور يكرس أردوغان رئيساً تنفيذياً أول وفقاً لنظام رئاسي. وهذا ما سيجعل ازدواجية السلطة مستمرة بين أردوغان ورئيس الحكومة المقبل.
في الأثناء تتحدث أحدث التسريبات عن أن رئيس الجمهورية السابق عبد الله غل يقوم بالمشاورات التمهيدية لتأسيس حزبه السياسي. هو الذي طعنه أردوغان، أثناء إجراءات تسليم سلطة الرئاسة في شهر آب 2014، ليحرمه من أي مستقبل سياسي داخل الحزب الذي أسساه معاً.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي