ما الذي يجري في الأردن؟

حجم الخط
19

شهد الأردن أمس حدثاً مهمّاً تمثّل بحلّ الحكومة ومجلس النواب (الذي كانت مدّته ستنقضي في نهاية كانون الثاني/يناير المقبل) وتعيين وزير الخارجية الأسبق هاني الملقي رئيس وزراء جديد، وهو ما يعني انتخابات نيابية مبكّرة تجري بناء على قانون الانتخاب الجديد، وهو قانون يُنتظر منه أن يؤدي إلى تمثيل أكثر ديمقراطية وتنوّعاً لمجموع الناخبين الأردنيين.
قرار الحلّ المبكّر للحكومة ولمجلس النواب والتوجّه، بالتالي، لانتخابات نيابية جديدة يعني أن الملك (وطاقم مؤسسات القرار المحيطة به) قرّر أن الحكومة السابقة قد استنفدت مهمّاتها، بعد أن نجحت في الحفاظ على التوازنات السياسية المحلّية والخارجية الدقيقة، في وضع كان شائكاً للغاية.
أصوات الاستنكار لطريقة إدارة رئيس الوزراء السابق عبد الله النسور لملفات الاقتصاد وتأزم الأوضاع المعيشية ووطأة الضرائب الحكومية على المواطنين، أضيفت إلى بعض ملابسات العلاقة مع بعض دول الجوار، ساهمت في التعجيل بإبلاغ النسور المفاجئ بانتهاء أجل حكومته.
من جهة أخرى فالقرار يعني أن الوقت صار مناسباً لإجراء تغييرات ضمن المؤسستين التشريعية والتنفيذية، وهو قرار، في الظروف المعقّدة عربيّاً، لا يمكن أن يكون محلّيا محضاً لأن تبعاته لن تقتصر على الأردن.
تفحّص تاريخ الملقي الذي كان وزير خارجية أسبق وكانت آخر مناصبه إدارة منطقة العقبة الخاصة على البحر الأحمر يدلّ على كفاءات دبلوماسية واستثمارية إذا أضيفت إليها مقولة التحذير من «الهلال الشيعيّ» المعروفة عنه فكل ذلك يشير إلى نزوع أردنيّ للتقارب مع المملكة العربية السعودية التي شابت العلاقات معها، خلال فترة النسور، بعض الشوائب، حيث كانت الحكومة الأردنية، تُحتسب، في كثير من الأحيان، باعتبارها «واسطة العقد» في المحور المصريّ ـ الإماراتي، وهو خطّ كانت له تبعاته المؤثّرة على صعيد الداخل الأردني والقضية الفلسطينية والمسألة السورية.
ويأتي حلّ الحكومة بعد أيام قلائل من خطاب العاهل الأردني بمناسبة عيد الاستقلال الأردني والذي أطلق فيه مجموعة من الرسائل السياسية المهمّة التي ركّز فيها على مدينة القدس ورعاية الهاشميين للمسجد الأقصى، كما أكد فيه على عروبة فلسطين وعلى مفهوم المواطنة، وقد قرأ الكثيرون هذا الخطاب باعتباره تهيئة للأردن للتموضع ضمن سيناريوهات التسوية الشاملة للملفات الإقليمية في المنطقة، وخصوصاً الفلسطينية منها.
غير أن التضييق المستمر على تيار الإسلام السياسي في الأردن، ممثلا بجماعة الاخوان المسلمين (بمن فيها المنشقون عنهم) لا يبدو مترابطاً مع الخطوات المتعاظمة لدمقرطة الأردن التي تمثلت بإقرار قانون الانتخابات الجديد والأمل الذي علّقه الأردنيون على نزاهة العملية الانتخابية وإمكانيات التمثيل الديمقراطي الأكبر، معطوفاً على التحرّكات الإقليمية المستجدّة والحديث عن «المواطنة» و»عروبة فلسطين»، وهو ما يفتح قوساً للتساؤل في حكمة تغليب المسار الأمنيّ على المسار السياسيّ الأعظم أهمية والأخطر أثراً على المدى البعيد.
بهذا المعنى، فإن التناغم الحقيقيّ بين القرارات التشريعية والتنفيذية المقبلة، وعطفها على الانسجام أكثر مع حركة العقلانية السياسية التي نجد آثارها الإيجابية في تونس والمغرب وليبيا واليمن وبعض دول الخليج يجب أن تجد صدى لها في تخفيف الاحتقان السياسيّ في الأردن وإعطاء الفرصة للناخب الأردني للقرار بشأن من يريد تمثيله في المجلس النيابي الجديد.

ما الذي يجري في الأردن؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية