ما العمل؟ السؤال الأردني في إضراب النقابات

قبل سنوات أغلق مستثمر هندي مصنعاً للملابس في الأردن، يشغل ما يزيد عن 1200 عامل، بدون أن تكترث الحكومة أو تتساءل عن الأسباب، وبدون أن يتصدى أي من المسؤولين لمجرد الاستماع لوجهة نظر المستثمر الذي أتى للأردن ليستفيد من اتفاقيات موقعة مع الحكومة الأمريكية تستورد بموجبها حصة من المنتجات الأردنية.
وبعد أن تحمل المستثمر تكلفة استقدام 900 عامل من بنغلاديش إلى الأردن، وقام بتوظيف البقية من الأردنيين، بدأت التغيرات في القوانين والتعليمات تحاصره، حتى وصلت إلى نقطة الخلاف حول مدخل العمالة، وتشبث وزارة العمل بفرض الحد الأدنى من الأجور على العاملين القادمين من بنغلاديش، وفشلت محاولات المستثمر في توضيح أن العاملة البنغالية تتقاضى أصلاً أضعاف ما كانت تتقاضاه في بلادها، وأنها تحصل على الإسكان وثلاث وجبات يومياً مجاناً، بالطبع يقدم هذه الخدمات السوق الأردني، وبعد مغادرته تلقى بعض العاملين السابقين في المصنع هواتف من مسؤولين يرغبون في تحديد موعد مع المستثمر، الذي أسرف في محاولات التواصل قبل أن يضحي بكثير من الأموال تمثلت في تفكيك أعماله في الأردن.
هذه القصة ليست بمعزل عن الأزمة الراهنة التي يعاني منها الاقتصاد الأردني، وتعبر عن شخصية الموظف الحكومي الرفيع في الأردن، الذي تمازج عضوياً ونفسياً مع بنود المساعدات والمنح، وممارسات الريعية والمحاباة، التي أوصلت الأردن إلى مأزق غير مسبوق، واستغلاق مستحكم ألقى ظلاله الثقيلة والكئيبة أمام الحكومة الحالية، التي وجدت نفسها بدون حلول أخرى سوى (جيب المواطن) المرهق أصلاً بضرائب كثيرة غير مباشرة على المبيعات والمحروقات والاتصالات، وفي هذه المرة، وجدت الحكومة مزاجاً شعبياً غير مطواع ولا مهادن، كما اعتادته، وشهد الأردن يوم الأربعاء الثلاثين من مايو إضراباً عاماً، على الرغم من الاختلاف حول مداه وتأثيره، إلا أنه سيكتسب رمزية واسعة، وربما يكون مقدمة لمجموعة أخرى من الإجراءات التصعيدية، خاصة أن بعضاً من الشخصيات الحكومية أتت من مدارس غير سياسية، ومنهم وزير المالية، الذي قضى ردحاً من عمره في وظيفة قيادية في مصرف كبير لم يعتد فيه على معارضة قراراته أو مناقشتها، وهو ما بدا في بعض التسريبات حول مواقفه التفاوضية المتعنتة، كما أن الشخصية الأردنية بشكل عام تميل إلى نزعة العناد، وحديثاً، السخرية، وهذه الخلطة غير اعتيادية في الأردن، وربما تتطلب أسلوباً جديداً في التعامل، إذا استطاعت الحكومة أن تلتقط الرسالة.
تحالف قوى الشعب، هذا الوصف يصلح لعنوان الإضراب الأخير، الذي ترافق باعتصام رمزي في مجمع النقابات، وكان أصحاب بعض الشركات قد دفعوا موظفيهم للمشاركة، كما اندمجت بعض الوحدات الحكومية في عملية الإضراب، بطريقة متحضرة تقوم على ممارسة واعية ومنضبطة، جعلت تصريحات الناطق الرسمي حول الأيدي الخفية ونسبة الـ49% من التعليقات التصعيدية من سوريا، مجرد نكتة استقبلها الأردنيون بما يليق بها من سخرية مريرة، وتوالت الإعلانات التهكمية، ليوقع الأردنيون بأسمائها متبوعة بمدن ومناطق سورية، وأمام الأداء الشعبي الذي يؤكد أن الأردنيين تحصنوا مقدماً أمام ترسانة الاتهامات والتخويفات الحكومية، ظهرت الحكومة منفصلة عن الواقع وغير قادرة على حيازة أي قدر من التعاطف، حتى من شخصيات وازنة في المنظومة السياسية الأردنية، وحتى بعض الأقلام التي تقدم بضاعة قديمة من مخلفات مراحل سياسية بائدة، والتي دفعت في هذه اللحظة بالحديث عن الأردنيين من أصول فلسطينية، وجدت نفسها أمام نوبة من الوعي ألجمتها في حججها، التي ليس مهماً النوايا التي وراءها، فالأردنيون يعرفون أكثر من أي وقت مضى أن القصة تتوزع أفقياً بين فئات مستفيدة وأخرى تتعرض للضيم والإجحاف، وأن أي تقسيم رأسي إقليمي أو مناطقي هو محاولة للانفراد بالحراك الوطني وتفكيكه.
وجوه جديدة لم تكن يوماً في خانة المعارضة، ولم تهتم على الإطلاق بالتواجد على الطيف السياسي، خرجت إلى الشارع، وبينهم من لن يمسهم مشروع الضريبة بشكل مباشر، فالإضراب ربما حركته فئات مجتمعية ستزيد أعباءها الضريبية، أو تتخوف من موجة ركود يمكن أن تضرب الاقتصاد الأردني وتبدد مكتسباتها، وهذه الحالة لن تستثني أحداً، فصاحب العمل الذي سيغلق أبوابه سيترك وراءه عشرات، وربما المئات تستقبلهم معدلات البطالة التي وصلت مع الحكومة الحالية إلى معدلات كبيرة ومقلقة، حتى بالمقاييس الرسمية التلطيفية.
الرسالة الخفية هي الإدانة الكاملة لنهج عابر للحكومات، اقتضى دائماً التأجيل والتسويف، وليس من العدل في شيء أن تتحمل حكومة الرئيس الملقي المسؤولية وحدها، فالأمور تدهورت بدون خطوات فعلية لمعالجة الأوضاع السيئة في زمن حكومة النسور، التي بقيت في المسؤولية لأربع سنوات كاملة، فلا استطاعت أن تستقطب الاستثمار، ولا أن تحفز القطاعات الاقتصادية، وانتظرت المجتمع الدولي بأن يقدم المكافآت والمنح للأردن على استضافته لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين، ولكن الظروف الاقتصادية السيئة أغرت أيضاً حلفاء تقليديين للأردن بأن يمارسوا ضغوطاً متزايدة لدفعه إلى مواقف على درجة عالية من الخطورة، في قضايا تتسم أصلاً بحساسية في الشارع الأردني مثل الموقف من الأزمة السورية.
عملياً، قانون الضريبة ضروري، وكثير من الأردنيين مستعدون لمناقشته، ولكن من حقهم التساؤل عن الخدمات التي تقدمها الحكومة وهي تتغول ضريبياً وجبائياً عليهم، فالمرافق التعليمية والصحية لا ترتقي لما يمكن أن يتناسب مع حجم الأعباء الضريبية التي دفعت، والحديث عن محاصرة الفساد لا يسفر سوى عن بعض الأخبار هنا وهناك عن رشوة لموظف صغير، أو مخالفة لموظف متوسط، والوزراء التكنوقراط يبدون بدون أي موهبة سياسية، يطلقون تصريحات عشوائية تثير حفيظة الشارع، الذي يراهم مجرد نتاجات لنخبة مغلقة منفصلة عنهم، بينما يراوح الإصلاح السياسي مكانه، بدون تقدم يمكن البناء عليه، وبالوصول إلى محطة الإضراب الأخير كان الأردنيون يتساءلون عن تغيب الأحزاب السياسية وتصدر النقابات للمشهد.
وصلت الرسالة الشعبية إلى العديد من الأطراف داخل الدولة في الأردن، وتبدو الحكومة في موقف حرج فلا أحد يستطيع أن يسحب من رصيد شعبيته أو مكانته ليقدم لها هدية مجانية، وهي التي تعاملت باستعلاء واستخفاف مع جميع التحذيرات التي انطلقت من شخصيات وطنية وسياسية، ولكن يبقى السؤال قائماً ومشروعاً وملحاً، عما يجب اتخاذه من خطوات من أجل الخروج من المأزق الاقتصادي، في ظل انفلات المديونية وتراجع القطاعات المولدة للدخل التي يمكن أن تسددها، وعن موقف الحلفاء التقليديين للأردن الذين ربما يرون أن دوره الاستراتيجي أخذ في التراجع أمام حالة الوله والغزل مع (إسرائيل)، وأن مواقفه المتعنتة في موضوع القدس تعكر صفو الصفقات الكبرى تحت الطاولة.
كاتب أردني

ما العمل؟ السؤال الأردني في إضراب النقابات

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية