مرت خمسة عشر عاما على احداث الحادي عشر من سبتمبر، والحديث عما يسمى الحربَ على الإرهاب لا زال غضا طريا كما بدأ، وصار ملحا أكثر من أي وقت مضى.
وإذا قيَّمْنا حصيلة الجهود التي بذلت في هذا الشأن، سياسيا وعسكريا، فإن الغرب لا ارضا قَطَع، ولا ظَهْرا أبقى. فقد أفلحت حملة حربه على الإرهاب على ما يبدو في كل شيء، ما عدا تحقيق الأمن والاستقرار والسلم العالمي. أما الإرهاب نفسه، فقد استغلظ واستوى على سُوقه، ولم يزدد إلا بشاعة وشراسة؛ فمنذ بداية تلك الحملة زاد التوتر، وكثرت الحروب والصراعات، وطالت يد الإرهاب بلدانا أخرى كثيرة، كانت بالأمس القريب بمنأى عنه.
لم تكن حملة الحرب على الإرهاب في الواقع سوى امتداد للسياسة العسكرية الجديدة لحلف شمال الأطلسي، شرع التخطيط والاستعداد لها مباشرة بعد انهيار المعسكر الشرقي، في وقت كان فيه الحلف في أمس الحاجة إلى عدو جديد يستمد منه مشروعية بقائه. فقد جاء في «الكتاب الأبيض» لسياسة الدفاع الفرنسية عام 1994، أن التطرف الإسلامي «بلا ريب، هو التهديد الأكثر إثارة للقلق. وغالبا ما يحل مكان الشيوعية كشكل من أشكال الصراع ضد العالم الغربي». وهذا ما أشار إليه أيضا الامين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ويلي كلايس في حواره مع صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية عام 1995، إذ اعتبر أن الأصولية الإسلامية هي «أحد أهم التحديات التي تواجه الغرب بعد نهاية الحرب الباردة».
لم يلبث جورج بوش الابن طويلا حتى أضفى القداسة الدينية على حربه على الإرهاب، ودعا إلى حملة صليبية جديدة، لينضاف ذلك إلى رصيد التوتر الذي أثقل كاهل العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي، فالجراح التي خلفها الاستعمار الإمبريالي لاتزال غائرة لم تندمل بعد. وبذلك تكتمل كل العوامل التي ستهيئ مناخا ملائما ليتجه العالم بخطى حثيثة نحو «صراع حضارات» سيأتي بلا ريب، إن لم يتدارك قريبا، على الأخضر واليابس. وفي الوقت الذي حاول فيه الغرب التقليل من أهمية دعوة بوش، وتحميلها ما لا تحتمل من التأويل، نجده في المقابل يصر على إقحام البعد الديني في كل العمليات الإرهابية التي صدرت من مسلمين متعللا بحجج واهية.
لا شكّ أن أول ضحايا الحرب على الإرهاب، هو مصطلح الإرهاب نفسه؛ فأينما ورد ذكره، عني به الارهاب الاسلامي دون غيره. وقد كتب إرنست كريمر، أحد أعمدة الصحافة الألمانية، معبرا عن هذه النظرة الأحادية، عقب إحدى العمليات الانتحارية في القدس عام 2002 أن «الإرهاب لا يصدر إلا من الفلسطينيين، لكن – للأسف – إثر كل رد إسرائيلي يُقتل مدنيون فلسطينيون. وهذا لا يعدو أن يكون آثارا جانبية مؤلمة ليس إلا. لذلك يجب علينا في ألمانيا وأوروبا أن نتوخى مزيدا الحذر والعدل في نقدنا وأحكامنا». ولخص هذا المنطق المُحَوَّر بوش بقولته الشهيرة «من ليس معنا، فهو ضدنا»، ونتنياهو في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والستين بسؤاله «أتريدونَ مساندة إسرائيل، أم مساندة الإرهاب؟» حتى أصبح كل منتقد لإسرائيل، انطلاقا من هذه المعايير، إرهابيا أو معاديا للسامية في أحسن الأحوال. وعندما تجرأ غونتر غراس، الحائز جائزة نوبل للآداب، في قصيدته الشهيرة «ما يجب أن يقال» على كسر التابو الألماني، فانتقد إسرائيل وامتلاكها للأسلحة النووية، وتهديدها للسلم العالمي، أقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوها، وكالوا له التُهم. فعندما تحتكر قوى عظمى سلطة التأويل، يستشري الدجل السياسي، فيتحول حق الدفاع عن النفس إلى إرهاب، والإرهاب إلى حرب على الإرهاب حسب ما تُمْليه المصالح. فتدمير العراق بذريعة وجود أسلحة دمار شامل لم يعثر عليها لحد الآن، وإبادة مئات الآلاف من المدنيين تجاوز عددهم المليون حسب مؤسسة «أو آر بي» البريطانية عام 2008، ومحرقة العامرية، ومعتقل غوانتانامو، كل ذلك لا يعد إرهابا في قاموس الولايات المتحدة وحلفائها من الدول التي ما تنفكُّ تَتَشَدَّقُ بالكلام عن احترامها المواثيقَ الدولية، وقيم الحرية والعدالة وحقوق الانسان.
وفي الوقت الذي تتلى فيه أسماء ضحايا بُرْجَي مركز التجارة العالمي في كل ذكرى سنوية للهجمات، قُتل آلاف الأبرياء من أطفال، ونساء، وشيوخ، ومدنيين عزل، بحجة الحرب على الإرهاب لم يعبأ بهم أحد. فلا أسماؤهم تُتْلى ولا أعدادهم تُحْصى، وكأنهم لم يكونوا شيئا مذكورا. لقد بالغ الغرب كثيرا في استعمال هذه المعايير حتى باتت اليوم أمرا مألوفا. فلا أحد يسأل: ما الفرق بين شرطة حكومة مانويل فالس التي أجبرت المسلمات على خلع الحجاب عُنوة في شواطئ فرنسا وجهاز الحسبة لدى تنظيم الدولة الإسلامية الذي تعقب المتبرجات في الرقة والموصل وأجبرهن على ارتداء البرقع؟ وما الفرق بين ما يتعرض له المعتقلون في أعتى دول العالم ديكتاتورية وقمعا وألوانِ التنكيل وسوءِ العذاب الذي سامَتْه العراقيينَ زبانيةُ من نصبت نفسها حاميا لقيم الديمقراطية وحقوق الانسان في جحيم ابو غريب؟ وما الفرق بين من ذبح قسّ كنيسةٍ في فرنسا ومن اغتال امام مسجدٍ في امريكا؟ وبين من يُقسّم العالم إلى دار إسلام ودار حرب ومن يقسمه إلى محور خير ومحور شر؟ إن من يؤمن بقيم العدالة وحقوق الانسان، لابد أن يُدين الارهاب مهما كان جنس مقترفه ودينه وثقافته، سواء كان دولة او جماعة، وسواء استخدم بندقية بدائية أو طائرة حربية من الجيل الخامس، وسواء كان في غار تُورا بُورا أو في البيت الابيض أو الكرملين؛ فالطفل الذي مزقته أشْلاءً أحدث الصواريخ الذكية لم يكن أحسن حَظاً من الطفل الذي ذبحه مقاتلو الدولة الإسلامية أو نسفتْه براميلُ الأسد المتفجرة.
إذا لم يكنِ الغرب، ممثلا في الولايات المتحدة وحلفائها، هو الذي صنع الإرهاب الإسلاموي بشكل مباشر، كما يدعي أصحاب نظرية المؤامرة، فإنه قام بدور أساسي في خلق العوامل والظروف الملائمة لظهوره، ووفر له على مر السنين، عبر سياساته المجحفة، ومعاييره المزدوجة في الشرق الاوسط، وشططه في التعامل مع قضايا المسلمين، التربة الخصبة لينمو ويترعرع على مرأى ومسمع منه حتى اشتد عوده، وخرج عن طوقه، وفقد السيطرة عليه، ليهدده اليوم في عقر داره.
فكسبُ رهان الحرب على الإرهاب لا يمكن تحقيقه إلا عبر حل القضايا الكبرى العالقة كالصراع العربي الإسرائيلي، ومساندة الديمقراطيات في العالم العربي والإسلامي بدلا من محاربتها عندما توصل إسلاميون إلى السلطة، كما كانت الحال في الجزائر عندما تم إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية عام 1991، فتلتها العشرية السوداء التي حصدت آلاف الضحايا الأبرياء، أو كما حدث في انقلاب مصر الأخير الذي جعل من «أمِّ الدنيا» «شبه دولة»، وهوى بها الى حضيض سحيق ليس له قرار. وشعوب الشرق الأوسط لن ترضى اليوم بديمقراطية مزيفة أو بحرية مجتزأة يضع الغرب شروطها ويحدد مساحتها، وإنما تصبو إلى الحرية بمفهومها الشامل، حرية اختيار مصائر بلدانها بدون وصاية خارجية، وحرية اتخاذ قرارات قد لا تروق للغرب، ولا تخدم مصالحه دونَ أنْ تكونَ هذه الحرية مدعاةً لدعم انقلابات عسكرية تصادرُ اختيارَها أو أن تكون سببا لجر المنطقة إلى صراعات طويلة معقدة يختلط فيها الحابل بالنابل، تعود بها إلى العصور الوسطى. لذلكَ فإن مساندة الغرب للانقلابيين، والقوى التي تُوجِس من الديمقراطية خيفةً، فتحاول جاهدة إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، لا يعطي انطباعا بأن الغرب جاد في محاربته الإرهاب؛ فالأنظمة الشمولية لا يمكن أن يتمخض عنها سوى مزيد من التطرف الذي سرعان ما يتحول إلى خطر محدق لا يبقي ولا يذر. ولا أحد يستطيع أن يصدق أن الانقلابيين يمكن أن يكونوا يوما ما شركاء في محاربة الإرهاب إلا السذج، فالإرهاب هو ورقة التوت الأخيرة التي تبقت لهم، ليستروا بها عورات أنظمتهم القمعية.
إن تحقيق سلام عالمي حقيقي طويل الأمد لن ينجح أبدا في ظل الدور السلبي الذي تلعبه الامم المتحدة اليوم. فهي لم تكن قَطُّ أكثر من مصدر لإضفاء الشرعية على بطش القوى الكبرى بمن تشاء من أعدائها لا غير؛ وكانت ضالعة بنفسها في جريمة الإبادة الجماعية في العراق، كما أقر بذلك موظفانِ كبيرانِ لديها هما دنيس هاليداي، وهانز كريستوف فون سبونيك. وليس ثمَّة من سبيل للقضاء على الإرهاب، وهي تضم جهازا ديكتاتوريا كمجلس الأمن، له القول الفصل في كل شيء، وإليه يرجع الامر كله. أنى له أن يكون عادلا في حربه، وأعضاؤه الدائمون، ومن ينعمون بحمايتهم، طرف في الصراع، وفوق القانون والمساءلة؟
كاتب مغربي
عبد الكريم أهروبا