ما بعد الرمادي … هل ننتظر معركة الحسم؟

شهدت مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار غرب العراق رفع العلم العراقي على المجمع الحكومي في وسط المدينة قبل أيام، وهذا الأمر يعد إعلانا رسميا لاستعادة المدينة من مقاتلي ما يعرف بالدولة الإسلامية الذين سيطروا على المدينة منذ ايار/مايو الماضي. وكان سقوط محافظة الأنبار بيد تنظيم الدولة أمرا خطيرا يهدد خاصرة العاصمة بغداد الغربية بعد ان بات مقاتلو التنظيم على بعد 60 كم شمال غرب بغداد.
الملفت في تحرير مدينة الرمادي هو قيام الجيش العراقي بالعمليات القتالية بمساندة مقاتلي العشائر السنية الذين جندتهم الحكومة للدفاع عن مدنهم بعد ان رفض سنة المنطقة تكرار سيناريو تحرير مدينة تكريت على يد مقاتلي الحشد الشعبي المكون من مقاتلين شيعة. وخوفا من حصول صدامات بين مقاتلي العشائر السنية ومقاتلي الحشد الشعبي ارتأت الحكومة العراقية عدم مشاركة قوات الحشد في معارك الرمادي، وهذا ما أدى بدوره إلى رفع الروح المعنوية للجيش العراقي بعد الانتكاسات العديدة التي مني بها منذ 2014 وانكساراته التي جلبت العديد من الانتقادات داخل العراق وخارجه إلى الحد الذي طالب فيه البعض بحل الجيش والاعتماد على مقاتلي الحشد العقائديين في مواجهة مقاتلي تنظيم الدولة.
هجوم القوات البرية المحاصرة لمدينة الرمادي تم على عدة محاور بمساندة كبيرة من طيران التحالف ومروحيات الجيش العراقي التي دمرت دفاعات مقاتلي تنظيم الدولة الذين فر منهم الآلاف منسحبين تجاه مناطق آمنة في العراق وسوريا تاركين المئات من الانتحاريين وعشرات الآلاف من الألغام التي زرعت في كل شوارع المدينة لعرقلة دخول الجيش العراقي، وهو ما بات معروفا كتكتيك عند الانسحاب من المدن التي كان يسيطر عليها التنظيم.
لقد كانت الضربة موجعة لما يعرف بالدولة الإسلامية، إذ ان تحرير الرمادي والتحرك نحو باقي مدن الأنبار سيحرم تنظيم الدولة من مصادر تمويل مهمة منها الأتاوات المفروضة على التجارة ونهب البترول وتهريب الآثار، بالإضافة إلى ان تحرير الرمادي سيساهم في قطع خطوط اتصال التنظيم بالأراضي السورية التي يسيطر عليها، حيث يتعرض هناك إلى ضربات موجعة من قبل الطيران الروسي الذي غير الكثير من المعادلات على الأرض، ومن هنا يرى العديد من المحللين السياسين والمراقبين لشؤون الشرق الأوسط ان عملية تحرير الرمادي خطوة مهمة في القضاء على (دولة الخلافة) المتوقع انجازه في العام 2016 إذا استمر زخم المعارك بما هو حاصل الآن.
لكن وبعد كل معركة كبيرة مثل معركة الرمادي تثار الاسئلة نفسها التي تتمحور حول ما ستقوم به حكومة بغداد من إجراءات لحماية المدن المحررة من هجمات جديدة متوقعة قد يقوم بها تنظيم الدولة؟ ومن سيمسك الأرض بعد مغادرة الجيش العراقي الذي سيتحرك لتحرير بقية المدن؟ وما هي الآلية التي ستنفذها الحكومة المركزية والحكومة المحلية في محافظة الأنبار لإعادة آلاف اللاجئين الفارين الذين يعيشون في مخيمات لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة الآدمية؟ ومع العجز الواضح في ميزانية الدولة العراقية نتيجة لأزمات تراجع أسعار البترول يبدو اعمار مدن دمرتها المعارك المتكررة أمرا في غاية الصعوبة يجب ان تسعى الحكومة جاهدة لإيجاد الحلول المناسبة له.
كما ان تحرير الرمادي طرح اشكالية التعايش في المدن المحررة في الأنبار، إذ ستظهر عاجلا مشكلة اقتتال قبلي بين عشائر المحافظة على أساس القبائل التي قاتلت مع الحكومة العراقية في مواجهة القبائل التي قاتلت مع تنظيم الدولة. والمرعب في المشهد ان مئات وربما الآلاف من أبناء قبائل الأنبار قد قتلوا ابان سيطرة التنظيم على المدينة بتهم التعاون مع الحكومة، ما سيخلق بالتأكيد توترا قائما على عمليات ثأر بين القبائل قد تذهب بنشوة النصر الذي حققه مقاتلو العشائر الذين يسعون لتثبيت أقدامهم في العملية السياسية المقبلة، كما يشير بعض المراقبين إلى ان النصر الذي تحقق في الرمادي سيمثل الخطوة الأولى التي ستتبعها خطوات في تحرير المنطقة السنية بيد أبناء السنة مما سيخلق الظرف المناسب لإعلان ما يعرف بالاقليم السني على غرار الاقليم الكردي في الشمال، ويتخوف البعض من ان تكون هذه العملية خطوة أولى نحو تفتيت عراق موحد يتعايش الجميع في ظله.
كما قلل بعض المراقبين الأمريكان مثل الجنرال المتقاعد، باري ماكافري الذي قال في تصريح له في احدى قنوات التلفزة الأمريكية إنه لا يمكن اعتبار تحرير الجيش العراقي لمدينة الرمادي نصرا كبيرا لأن قرابة 19 ألف مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية انسحبوا من المدينة وتركوا 150 انتحاريا في مواجهة القوات العراقية. وأضاف ماكافري أن استعادة الرمادي يمثل مع ذلك تطورا ملحوظا للجيش والشرطة العراقيين اللذين يتلقيان الدعم من الميليشيات الشيعية، كما يعكس الجهد الكبير الذي قامت به القوات الجوية الأمريكية والمجهود الاستخباراتي المبذول .واعتبر أنه ليس بمقدور الجيش العراقي – الذي يتشكل في أغلبه من قوات شيعية- توحيد البلاد بالمطلق بسبب غياب الإرادة السياسية ووجود زعماء سياسيين فاسدين، موضحا أن الإشكالية في العراق أن الأكراد لن يقبلوا بقوات شيعية على أراضيهم والسنة في الأنبار بدورهم يشعرون بأنهم في حالة حرب مع حكومة شيعية مدعومة من إيران.
بينما يراهن الساسة العراقيون اليوم على ان أي أزمة داخلية يمكن حلها بين الفرقاء السياسيين لكن بعد التخلص من تهديدات التنظيمات الإرهابية التي تسيطر على العديد من مدن العراق وتعيث فسادا ونهبا بممتلكاته الاقتصادية والحضارية، وتشبع العراقيين الذين أجبرتهم ظروفهم على البقاء تحت سيطرة التنظيم قتلا وتعذيبا بناء على مزاجية مقاتلي التنظيم الراديكاليين والمهووسين بمناظر العنف.
الملفت للنظر هو اصدار تسجيل صوتي منسوب لمن يعرف بخليفة الدولة الإسلامية (ابو بكر البغدادي ) بعد هزيمة تنظيم الدولة في الرمادي، يعترف فيه بهزيمة تنظيمه في معركة الرمادي ويتوعد الأعداء بالويل والثبور، لكن الملفت في التسجيل الصوتي انه ولأول مرة منذ الإعلان عن تأسيس (الدولة الإسلامية) قبل ثلاث سنوات، يهدد دولة إسرائيل بضربات موجعة مقبلة على يد مقاتلي الدولة الإسلامية، والمعروف في منهجية التنظيم انه كان يطرح فكرة مقاتلة العدو الأقرب ويقصدون به الحكومات العربية والمكونات الأثنية التي تختلف معهم في العراق وسوريا وغيرها من دول المنطقة وتأجيل قتال العدو الأبعد الذي هو إسرائيل، فلماذا صرح البغدادي في هذا التوقيت بهذا التصريح الغريب عن سياقات سياسة الدولة الإسلامية؟ يشير البعض إلى ان التصريح جاء لاستجداء الدعم الشعبي بعد التراجع الواضح لشعبية التنظيم نتيجة أعماله الاجرامية في المناطق التي يسيطر عليها، وربما هنالك معادلات جديدة ستطرأ على مشهد الصراع في الشرق الأوسط، فبعد الإعلان عن تعاون خفي بين إسرائيل ومقاتلي جبهة النصرة في سوريا وعلاج العديد من جرحى التنظيم في مستشفيات إسرائيلية، بات الكيان الصهيوني اليوم يبحث عن تعاون مع اللاعبين الأكثر تأثيرا في اللعبة الجارية عبر امكانية التنسيق مع الروس في الضربات التي توجه للتنظيمات المتطرفة.
ويبقى السؤال هل نحن بانتظار معركة الحسم المقبلة في الموصل كما أعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي، ام ان المشوار ما زال طويلا للوصول لتلك المعركة التي ستغير معادلات المنطقة؟ هذا ما سيسفر عنه المقبل من الأيام.

صادق الطائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية