■ بعد وفاته منذ أيام قليلة كتب الكثيرون عن العالم العربي المصري أحمد زويل، حامل جائزة نوبل الشهيرة. جميع تلك الكتابات أبرزت تميزاته العلمية والأخلاقية وأحلامه الوطنية لخدمة مصر ووطنه العربي كله في مجالات التعليم العالي والبحوث، وذلك من خلال مشروعه المبهر الشهير لإنشاء جامعة ومراكز بحوث تابعة لها تهدف، فيما تهدف، لإحداث نقلة نوعية في حقلي العلوم والبحث العلمي من جهة وفي حقل التكنولوجيا المتقدمة من جهة أخرى.
ما يهمنا ليس الحديث عن الجوانب الشخصية الكثيرة التي ميًزت الرجل وعطاءاته العلمية، فهذا كتب وسيكتب عنه الكثير. ما يهمنا هو أخذ التعامل الظالم لأحمد زويل ومشروعه التعليمي والعلمي كمثال على ما تفعله السياسة في أرض العرب بالنهوض العلمي وبالعلماء. لقد وئد المشروع ووئدت أحلام صاحبه، وبالتالي وئد مشروع نهضوي علمي لخدمة مصر وكل الوطن العربي، بسبب ظنون أمنية سخيفة قائمة على هلوسات أجهزة الأمن. الهلوسة عبرت عن سخفها بإثارة خوف النظام السياسي آنذاك، في عهد الرئيس مبارك السابق، وذلك بالتأكيد للنظام من أن نجاح مشروع أحمد زويل سيزيد في مكانته وشعبيته وخصوصاً بين الشباب، الأمر الذي سيجعله منافساً قوياً في أي انتخابات رئاسية ستجري في مصر.
هذا مثال مأساوي في تفاصيله وفي النهاية المحزنة التي وصل إليها، طال فرداً عالماً واحداً، في قطر عربي واحد، وذلك بسبب الوضع السياسي المتأزم دوماً، المتخلف فكرياً وممارسة، الموغل عبر القرون في تاريخ أمة العرب.
لعل ذلك المثال أقل فداحة إذا قورن بالذي حدث، ولا يزال يحدث، في أقطار عربية من مثل العراق وسوريا والسودان واليمن وليبيا. فلقد قادت الخلافات الإيديولوجية العبثية المشخصنة وممارسات السياسة المغموسة في صراعات القبائل والمذاهب والعساكر، بعيداُ عن حتى أبسط قواعد المتطلبات الديمقراطية العادلة، قادت إلى مجتمعات خالية من أجواء الحرية والإبداع والاستقلالية التي يتطلبها نمو وانتعاش العلم من جهة وقدرة العلماء على الإنجاز من جهة أخرى.
فكانت النتيجة أن غادر مئات الألوف من علماء ومفكري ومهنيًي وبحاثة العرب، غادروا إلى أوطان أخرى. في البداية كانت الظنٌ والأمل بأنها ستكون مغادرة مؤقتة. لكن اذهب الآن في زيارات لجامعات ومراكز بحوث ومستشفيات ومؤسسات صناعات الغرب فستجد أفضل عقول العرب تعمل وتبدع وتخدم وتساهم في تنمية بلدان الغرب. ومن المؤكد أن أكثرها لن يعود إلى الجحيم الذي أشعله الجهاد التكفيري الإرهابي المجنون القامع لكل أنواع الحرية ولكل محاولات الإبداع، وبالتالي المتصادم كل مصادر التقدم في حضارة العصر.
إن ممارسة العلم من قبل العلماء، والفكر من قبل المفكرين، والإبداع والتجديد من قبل المهنييُن، يحتاج إلى علاقات مجتمعية تقوم على أسس الكفاءة وتساوي الفرص وقيم المواطنة وعدالة نظم الترقًي في سلُم الوظائف وعدم إقحام السلطات الأمنية أنفها في المعايير التي تحكم تلك العلاقات. لكن فكر وممارسة السياسة في أغلب بلاد العرب جعل من المستحيل بناء مثل تلك المجتمعات، فكانت النتيجة تحطُم أحلام المجتهدين والمبدعين ووئد التزاماتهم الوطنية والقومـــية وإجبارهم مكرهين على الدخول في حلقة التًيه الجغرافي والثقافي وعيش الغربة والانعزال الإنساني.
لقد مات المرحوم أحمد زويل واستراح من آلام وأحزان فجيعته ويأسه من استجابة أمته ووطنه لإدارة النهوض العلمي، باب الدخول لحضارة العصر. أما الآن من علماء العرب فعليهم الانتظار وتجرُع مرارة اضطرارها لسقي أرض الغير بينما تبقي أرض آبائهم وأجدادهم، التي حبًوها ويحبٌونها، عطشى تذروها رياح سموم السياسة.
مرة أخرى تثبت الأيام وعبرها بأن المدخل لكل إصلاح هو إصلاح السياسة.
٭ كاتب بحريني
د. علي محمد فخرو