إعادة كتابة التاريخ… عبارة صارت تتردد في السنين الأخيرة من جانب كتّاب من شتى النوازع الفكرية والدينية والسياسية، تعبيراً عن شكوك في «ما تناقله الرّواة» من أخبار عن شخصيات تاريخية أو أحداث لحق بها تكريم أو إدانة. يرى بعض أولئك الكتّاب وجوب تقويم تلك الأحكام أو تعديل مسار تلك الأحداث، في ضوء «معطيات» تاريخية أو فلسفية، ظهرت لاحقاً. هذا في الواقع كلام حق أريد به باطل… غالباً.
ففي تراثنا العربي، السياسي والإسلامي، كثير من الأمثلة على «ما تناقله الرواة» وصار مقبولاً إلى درجة أو أخرى لدى بعض الناس، بمن فيهم مثقفون، لا يقبلون بالتشكيك في ما بلغهم من أخبار، وبخاصة في المجال الديني. ثمة إشارات إلى أربعة آلاف حديث منسوبة إلى الرسول محمد (ص) لم يتبيّن زيفها إلا بعد مرور زمن على واضع تلك الأحاديث. وثمة «حديث الأفك» عن عائشة (رض). ثمة من يصدق في رواياتها، لأسباب مذهبية، وثمة من يرفضها بشدة. كلٌ يُعزز دينه/يا ليت شِعري ما الصحيح؟ قال حكيم المعرّة قبل أكثر من ألف عام. ونجد كلاّ من المشكك والقانع بما تناقله الرواة يلتمس «الأسانيد» التاريخية لكي يُثبت أو ينفي ما ذهب إليه الرّواة. وثمة آخرون يتبعون أسلوب القياس على ما سبق من أحداث وأقوال لكي ينفوا أو يثبتوا، أو يتبعون أسلوب التحليل المنطقي للخبر أو الحدث، ونحن ما نزال نسال: يا ليت شِعري ما الصحيح؟
في المجال الأدبي ثمة أمثلة كثيرة على أخبار أو أوصاف شاعت وتناقلها الرواة عن شاعر أو أديب أو خليفة أو سلطان عثماني، أو سياسي في هذا البلد أو ذاك، أو في هذا العصر أو ذاك، قد نعجب اليوم من مدى صحة ما بلغنا منها ونحاول الوصول إلى «الحقيقة» منها.
حكاية سافو أول شاعرة إغريقية ذكرتها التواريخ تقدم لنا مثالاً على الحيرة في ما تناقله الرّواة عنها. عاشت هذه الشاعرة الغنائية الرقيقة في القرن الخامس ق.م. في جزيرة «لزبوس» الإغريقية التي نسمع عنها كثيراً هذه الأيام، لكونها صارت على طريق مئات الألوف من اللاجئين من «بلاد العرب أوطاني» الذاهبين إلى المجهول، إذا قُيّض لهم أن «يذهبوا» أو «يصلوا» إلى لا مكان.
كانت سافو من عِلية القوم في بلادها، وطوّحت السياسة بها وبزوجها الذي حكم عليه بالنفي، وعليها وعلى ابنتها الوحيدة بالنفي إلى صقيليا، التي ستكون بعد قرون عديدة ملجأ الشعراء التروبادور القادمين من إقليم «بروفنس» وجنوب فرنسا، هرباً من البابا إنوسنت الثالث البريء… الذي جاء من باريس ليغزو الجنوب الفرنسي «الكافر» لا طمعاً بخيراته وغناه.. ومن صقليا و»اللاجئين» التروبادور تعلّم شعراء صقليا والجنوب الإيطالي جميعاً شعر الحب الجديد عليهم، فأصابت الشرارة دانته الكَييري أكبر شعراء العصر الوسيط الأوروبي. كأن شرارة سافو بقيت كامنة في صقليا حتى أعادها للحياة شعراء التروبادور.
كانت سافو بشهادة معاصرها الشاعر والمؤرخ الكائيوس ومن بعده ملياكار شاعرة رقيقة يحبها الجميع وشهد بحقها بعدهما افلاطون نفسه، مسجلاً في محاورة «سمبوزيوم» أو «المأدبة» شهادة لا يمكن أن يشكك فيها من له عقل وبعض أنصاف. قال افلاطون أمام جمع الفلاسفة في تلك المحاورة: «يقول بعضهم إن ربات الفنون تِسعٌ. يا لجهلِهم!! ها هي العاشرة: سافو».
لتزجية الوقت الحزين في المنفى، أقامت سافو مدرسة لتعليم الصبايا فنون النخبة في تلك الأيام: الشعر، الموسيقى، الرقص، أساليب التصرف وما إلى ذلك. وعندما تتزوج إحدى «الطالبات» تقيم لها سافو وليمة وداع كبرى، بما يناسب تصرف سيدة من طبقات المجتمع الراقية. وبعد وفاة زوجها أحبت سافو رجلاً اسمه فاءون وكتبت العديد من القصائد عن حبها، شهد بعذوبتها معاصروها، ولكن لم يبق من شعرها سوى جُذاذات لم تبلغ 124 جُذاذة، بقيت موضع دراسة وتحقيق على امتداد العصور. ولكن في عام 1870 ظهر «فَهلَوي» أوروبي وادعى أن سافو كانت مثلية في حبها، لأنها كانت تحب النساء دون الرجال. فتلقّف هذه التهمة «نقاد آخر زمان» وأطلقوا إسم «اللزبية» على حب امرأة لأمرأة. المشكلة الكبرى هنا أن كلمة «حب» غير واضحة المعنى في التراث الأوروبي والأمريكي من بعده. لذا تغلغل «الوسواس الخنّاس» إلى قلوب «بعضهم» منذ حوالي قرن ونصف، وهو ما لم تعرفه قلوب أو عقول قدماء الإغريق من معاصري الشاعرة، ولا عمالقة الشعر والأدب في روما والتابعين. معاصرو سافو من الإغريق ما كانت لتفوتهم مثل هذه التهمة التي لا يفرّط بها أي شاعر أو أديب غير محصّن ضد الغيرة، وإلا كيف كانت سمعة الشاعرة نظيفة حتى عام 1870؟
وثمة مثال آخر من شكسبير الذي نظم 154 غنائية (أو سونيتا، كما يفضّل المتفرنجون) هي قصائد قصيرة تقع في صنف «الشعر الغنائي» وتحتفل بالحب، موجهة إلى شاب أرستقراطي، وسيم الخلقة والخُلق، يحثه فيها أن يتزوج، لكي يُنجبُ للعالم ذرية تماثل الأب خلقاً وخلُقا، لأننا: «من أجمل المخلوقات نبتغي المزيد» وهي أول أسطر الغنائيات المئة والأربع وخمسين. وكانت نبرة الغنائيات جميعاً، يوم نشرت أول مرة عام 1609 هي نبرة غزلية واضحة، بحيث ذهب أوائل القرّاء والنقاد إلى القول إنها «غزليات موجّهة إلى حبيبة الشاعر». ولم يخطر ببال أحد أن الشاعر «يحب» الأرستقراطي الشاب إيرل أوف بمبروك حباً جسدياً، وإلا كانت نِصال وسهام الحسّاد من الشعراء المعاصرين ستتكسّر على النصالِ، ولم يكن شكسبير يشكو قلة الحسّاد (والعذّال إن شئتم). فأقصى ما كان ينص عليه معاصروه من الحسّاد أنه لا يملك سوى القليل من اللاتينية والأقل من ذلك من الإغريقية… لأنه لم يذهب إلى الجامعة، بل إنه لم يكمل «المدرسة» في بلدته «ستراتفورد أون إيفن» فالموهبة الشعرية تأتي أولاً.
لم يكن «حب الغلمان» معروفاً في عصر شكسبير ولا في القرن السادس عشر وما تبعه في حضارة أوروبا، فأهل ذلك الزمان لم ينالوا سعادة القرن الحادي والعشرين، ولا سعادة رجال الكنيسة المعاصرين الذين لا تخلو نشرة من أخبار الإذاعة البريطانية من إتحافنا ببطولاتهم. ولو كان الأمر غير ذلك لما سكت عنه شعراء ذلك الزمان وبقوا نائمين حتى أيقظتهم نواقيس السنوات الأخيرة المباركة.
التحليل المنطقي لموضوعات الغنائيات لا يشير ولو مرة واحدة إلى حب جسدي أو إشارة أثيمة حول علاقة الشاعر بالمحبوب. هل كان حب المتنبي لسيف الدولة حباً آثماً؟ أم حب المتصوفة؟ أم حب رابعة العدوية؟ في جميع هذه الأمثلة كلمة «حب» لا تعني سوى «حب» وليس فعل قوم لوط، يا متحضّري أوروبا… وآخر الركب من وراء الأطلسي.
وحكاية الأديب الإيرلندي أوسكار وايلد أقرب إلى زماننا. ففي عام 2000، في الذكرى المئويّة لوفاة وايلد أدرك العالم الأدبي على جانبي الأطلسي أن تهمة وايلد بالعمل «الفظيع» تجاه أبن الماركيز كوينسبري كانت باطلة، دافعها الحسد الأعمى الذي ألقى بالأديب في سجن «ريدنك» سنتين، هام بوجهه بعدها إلى أوروبا ومات في فرنسا. لكن احتفال العالم الأدبي بإبداعات وايلد لم تستطع محو تعقيدات التهمة التي أودت به إلى الهلاك تجاه عدم قدرة الأديب مصارعة الفاسدين في عالم القضاء الذي يستطيع تلفيق التُهم، واختراع أساليب شتى للنيل من بريء، تهمته أنه موهوب.
عبد الواحد لؤلؤة