لم يعد صاحب تلك المكتبة يحتاج إلى كلام كثير كي يبيّن لسائله إلى أيّ حدّ تراجعت مهنته. « أنظر»، يقول، «في السنوات القليلة الماضية أقفلتْ هنا في رأس بيروت 12 مكتبة… وبدلا من أن يزداد العمل في مكتبتي، نتيجة ذلك، انخفض بنسبة عشرين في المئة حتى الآن». ثم أخذ، كأن ليختبر ذاكرته، يسمّي المكتبات التي أُقفلت، بأسمائها، مشيرا بيده إلى الاتجاه الذي كان فيه مقرّ كل منها. لكن ما لم يأت على ذكره هو جانب آخر للتراجع، متعلّق به هذه المرّة.
على الرفوف الكثيرة لا يجد الكتاب الذي طلبتُه، وأنت، إن كنت زبون مكتبته، تكون مدركا أن احتمال أن تحظى بالكتاب ليس أكيدا. وقد تظن أن ذلك راجع إلى ضيق المكان المزدحم كلّه بالكتب المتراكمة من سنوات عديدة، وتتساءل كم على صاحبنا هذا أن ينتظر ليبيعها كلها، طالما أن الزبائن باتوا قليلين، وهم ذاهبون في اتجاه أن يصيروا نادرين.
صديقنا هاشم يقول إن هذه الأزمة لا تتعلّق بلبنان وحده، أو بالكتاب العربي عامة، فعنده في باريس أقفلت أيضا معظم المكتبات، وهو يستذكر أسماء بعضها، كما يفعل صاحب المكتبة اللبناني، معلّقا في الآن نفسه على اختصاص كل منها. ومن يعرف مكتبة هاشم في باريس، هناك مقابل جامعة «جوسيو»، يتذكر نجاحها في زمنها السابق، وهذا ما دعا هاشم آنذاك إلى أن يضيف إليها، في مكان مجاور لها، مكتبة أخرى، جاعلا إياها مختصّة بالكتب العربية. ونحن، أصدقاء هاشم، اعتدنا مؤخرا أن نسأله، على التلفون في الغالب، كيف المكتبة يا هاشم، فيجيب أنه ما زال يقاوم. في الاتصال الأخير منذ أيام قال إن الشغل توقّف تماما بعدما لم تنجح التعديلات التي أجراها، تدريجيا، التي منها الاعتماد على بيع فيديوات الأفلام وسيديهات الأغنيات وبطاقات المعايدة، إلخ.
وكان هاشم، في زمن المكتبة السابق، يواظب على حضور معرض الكتاب الذي يقام في بيروت. قد يأتي هذه السنة، كما قال، ليزور المعرض، مرّة أو مرّتين، ليس من أجل أن تكون مكتبته متابعة للإصدارات الجديدة، لكن من أجل أن يظل عارفا بجديد الكتب، هكذا تلبية لفضوله وليس لحاجة مهنته. ولا يسع واحدنا إلا أن يتساءل عن أولئك الذين كانوا يأتون إلى بيروت من أجل معرضها، كم باتت نسبتهم الآن. «يأتون، لكنهم قليلون»، قال صاحب إحدى الدور المشاركة فيه، ذاك أن بلدانا عربية كثيرة لم تعد أوضاعها قابلة للاهتمام بالكتاب. البلدان الجارية فيها الحروب، واليمن كان الأخير بينها، توقّفت عن استقبال الكتب أو تبادلها، وكذلك البلدان المقاطِع بعضها بعضا، أو الضارب بعضها حصاره على بعض، تدفع الدور إلى الاختيار بين هذا البلد أو ذاك، خوفا من أن تقاطَعَ بدَوْرها.
لكن معرض بيروت، الذي سيُفتتح اليوم، سيشهد لا بدّ الزحمة المحليّة نفسها. لم تُخفض السنوات المتتالية من أعداد زائريه، بل أن ازدحام السيارات على الطريق المؤدية إليه ما فتئ يزداد سنة بعد سنة، بحسب ما يُكتب في الصحف عادة، أو يُعلّق على وسائل التواصل. لكن الدور المشاركة، حين تُسأل، تجيب أن الازدحام لا تدل عليه نسب المبيع، على الرغم من أن تلك الزيارة، لأكثر القادمين هي الزيارة السنوية الوحيدة التي يقصدونها لاقتناء الكتب (وهذا ما يقوله أصحاب المكتبات، جاعلين منه واحدا من أسباب انصراف الناس عن القدوم إليها).
المعرض يبدو، كما في كل سنة، محتفلا بالكتاب غير آبه بالتراجع الذي يأتيه من كل صوب. في قاعة البيال الضخمة تقام «إستندات» الدور، في الأمكنة التي كانت قد حُجزت لكل منها في السنوات السابقة، وتُرفع الملصقات حاملة صور كتب أو صور مؤلّفيها، وتقام الأمسيات الأدبية والثقافية في القاعات الواسعة في الطابق السفلي، وتكثر حفلات التوقيع التي زادت من أعداد الكتّاب بأن أضافت إليهم وجهاء وسياسيين وأصحاب مراكز راغبين جميعهم في أن يضيفوا لقبا جديدا إلى ألقابهم. زائر المعرض المراقب يعرف من درجة الازدحام ما هو نوع الكتاب الذي يُوقّع، ويعلّق بين مَن يعرفهم هناك في كافتيريا المعرض المقامة على عجل، بأن هؤلاء هم زوّار حفلات وجمهور مجاملات وليسوا قرّاء.
وحده معرض الكتاب (الذي ما زال مستمرا منذ 61 عاما) ما زال متحدّيا المحن التي تعانيها الكتب في نزعها، وذلك بإصراره على أن تكون استعدادات هذا العام مساوية لاستعدادات الأعوام التي سبقته. نعرف أننا، حين نذهب غدا أو بعد غد إلى هناك، سنرى ما كنا رأيناه في الأعوام الفائتة. لا شيء جديدا، وهذا في حدّ ذاته معاندة لا تكلّ في الوقت الذي انصاعت فيه وسائل الإعلام كلها إلى حذف الكتب وكل ما يتصل بها من برامجها.
٭ روائي لبناني
حسن داوود