إسطنبول – «القدس العربي» : سجلت الليرة التركية أمس الأول تراجعاً قياسياً في ضربة جديدة للاقتصاد التركي، الذي يعاني من أزمات متلاحقة عقب سنوات من النهوض والنمو الاقتصادي، وذلك نتيجة السياسات الاقتصادية الداخلية والتغيرات الدولية والحروب في المنطقة والهجمات الإرهابية، بالإضافة إلى محاولة انقلاب فاشلة كلفت البلاد الكثير.
وطوال الأسابيع الماضية واصلت الليرة التركية تحطيم أرقام قياسية في الهبوط أمام الدولار. فبعد أن كان سعر الصرف 2.2 ليرة مقابل الدولار قبل أقل من عام، و2.9 قبل أسابيع، وصل يوم الأربعاء إلى 3.89 ليرة لكل دولار، ووصل إلى 4.10 مقابل اليورو، لتكون الليرة قد خسرت بذلك 10 في المئة من قيمتها منذ بداية العام الجاري فقط، وقرابة 25 في المئة منذ محاولة الانقلاب الأخيرة.
وبينما يربط مراقبون بين الانخفاض الذي شهدته العملة في الأيام الأخيرة وبين البيانات الصادرة عن البنك المركزي الأمريكي، التي تلمح إلى قرب رفع سعر فائدة الدولار، تقول الحكومة ان الانخفاض خلال الشهرين الأخيرين جاء بفعل الاهتزاز الذي شهدته العديد من الأسواق العالمية عقب فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، يضاف إلى ذلك قرار البرلمان الأوروبي تجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد بسبب حملة التطهير التي تقوم بها الحكومة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد منتصف يوليو/تموز الماضي.
لكن مشاكل الاقتصاد التركي لا تتعلق بأزمة سعر الصرف الأخيرة فقط، فهذا الاقتصاد عانى كثيراً بفعل الحروب والأزمات المتلاحقة في دول الجوار، لا سيما في سوريا والعراق، وتحمل تركيا أعباء أزمة اللاجئين، وإرسالها قوات عسكرية إلى سوريا والعراق بالتزامن مع توسيع الحرب على حزب العمال الكردستاني داخل وخارج البلاد، ما كلف خزينة الدولة مصاريف جديدة أثقلت من كاهلها.
وبجانب ذلك تمر السياحة في البلاد في أسوأ مراحلها بسبب سلسلة من الهجمات الإرهابية استهدفت العديد من المعالم والمناطق السياحية في اسطنبول وأنقرة، والتي كان آخرها الهجوم على المهلى الليلي في إسطنبول ليلة رأس السنة والذي خلف 39 قتيلاً وعشرات الجرحى معظمهم من السياح الأجانب.
كل ذلك أدى إلى إخافة المستثمرين، بينما يعاني قطاع العقارات من ضعف كبير في الإقبال رغم لجوء الشركات الكبرى إلى الاستثمار في بناء عشرات الآلاف مع الشقق في مجمعات سكنية راقية في إسطنبول والمحافظات التركية الأخرى.
ويضاف إلى ذلك كله، الفاتورة الباهظة التي دفعتها البلاد نتيجة محاولة الانقلاب الفاشلة وما تسببت به من خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تمثلت في إغلاق مئات الشركات واعتقال مئات رجال الأعمال بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.
والشهر الماضي قاد أردوغان حملة شعبية واسعة من أجل حث المواطنين الأتراك على تحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية أو الذهب، لدعم النمو الاقتصادي في البلاد ووضع حد للانخفاض المتواصل لـ»الليرة»، لكن هذه الحملة التي حققت نتائج قصيرة المدى سرعات من ثبت ضعفها أمام حجم الضعوطات التي تواجهها العملية التركية.
وبينما يؤكد أردوغان، الذي يصف ما يحدث بـ»المؤامرة»، أن بلاده سوف تتجاوز هذه الأزمة، يشدد رئيس الحكومة التركية بن علي يلدريم على أن «الاقتصاد التركي قائم على أسس صلبة».
يقول خبراء ان تركيا لا تملك رفاهية الاغتراف من احتياطاتها لتثبيت الليرة، ويرون أنه مع هبوط الليرة إلى مستوى قياسي جديد، لتصبح أسوأ العملات أداء في الأسواق الناشئة الكبرى أمام الدولار الأمريكي، أن رفع أسعار الفائدة هو الخيار الوحيد أمام البنك المركزي التركي لوقف هبوط العملة الوطنية.
لكن الحكومة تعارض بشدة هذا الخيار، وترى ان من شأنه الإضرار بالنمو الاقتصادي. بل على العكس يطالب أردوغان على الدوام بخفض أسعار الفائدة من أجل تشجيع الاستثمار ورفع معدلات النمو.
وتحاول الحكومة إعادة تشجيع الاستثمار من خلال المزيد من التخفيضات الضريبية المؤقتة لتعزيز النمو، لكن مراقبون يتوقعون أن تستمر المشاكل الاقتصادية في البلاد خلال العام الجاري وتوسعها إذا لم تتخذ الحكومة التركية إجراءات وإصلاحات جذرية تساهم في احتواء الأزمة.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر رفع البنك المركزي للمرة الاولى منذ كانون الثاني/يناير 2014، نسبة فائدته الرئيسية نصف نقطة مئوية لاحتواء تدهور العملة الوطنية.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفي آخر تصريح له حول الأمر كرر دعوته للأتراك لبيع النقد الأجنبي وقال إن سعر صرف الليرة لا يعكس الحقائق الاقتصادية، داعياً البنوك وبخاصة الحكومية لخفض أسعار الفائدة، ولفت إلى أن البنك المركزي يجب أن يعمل على هذه القضية لخفض أسعار الفائدة.
من جهة ثانية أظهرت بيانات حديثة أن الصادرات التركية تعافت في نهاية عام 2016. وقال رئيس مجلس المصدرين الأتراك، محمد بيوك أكشي، ان صادرات تركيا ارتفعت 7.4 في المئة في ديسمبر/كانون الأول لتصل إلى 12.82 مليار دولار، إلا أنها انخفضت في عام 2016 ككل بنسبة 0.8 في المئة إلى 142.6 مليار دولار.
وفي هذا الإطار، أشارت بيانات معهد الإحصاء التركي إلى أن مؤشر الثقة الاقتصادية في تركيا انخفض أكثر من 18 في المئة إلى مستوى قياسي في ديسمبر، بما يشير إلى توقعات أكثر تشاؤما بعد انكماش الاقتصاد بنسبة 1.8 في المئة في الربع الثالث.
وقبل أسابيع، أثار قرار مؤسسات التنصيف العالمية تخفيض تصنيف الاقتصاد التركي غضب كبار المسؤولين الأتراك الذين حذروا من مؤامرة تهدف إلى ضرب اقتصاد بلادهم، مشككين في مصداقية وأهداف هذه المؤسسات العالمية، في حين وصف كبار الكتاب المقربين من الحكومة ووسائل الإعلام الموالية ما يواجهه اقتصاد بلادهم بـ»محاولة انقلاب» اقتصادية جديدة أصعب من محاولة الانقلاب العسكرية.
إسماعيل جمال