ما سر التفوق التاريخي لكلوب على الفيلسوف غوارديولا؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: أثبت المدرب الألماني يورغن كلوب بشكل عملي، أنه من القلائل المعدودين على أصابع اليد الواحدة، الذين يمتلكون شيفرة الفيلسوف الكتالوني بيب غوارديولا، بالتفوق عليه أداء ونتيجة في القمة الأوروبية الإنكليزية الخالصة للدور ربع النهائي لدوري الأبطال، التي جمعت الكبيرين ليفربول ومانشستر سيتي، وحسمها العملاق الأحمر ذهابا وإيابا بنتيجة عريضة 5/1، كدفعة أخيرة في مسلسل انتقام الريدز من السيتي بعد خماسية بداية الموسم المُهينة في البريميرليغ.

ليست صدفة

لو عُدنا إلى الوراء أقل من خمس سنوات إلى الوراء، وتحديدا في صيف 2013، سنتذكر بداية معارك تكسير العظام بين كلوب وبيب، آنذاك حط الرجل الثائر الرحال إلى ولاية بافاريا، لبدء مغامرته الثانية في مجال التدريب، بعد عام الاستشفاء من عناء وضغوط تدريب برشلونة في الفترة بين عامي 2008 و2012، وشخصيا ما زلت أتذكر حضوره الأول أمام الصحفيين، وهو يُطالبهم بإملاء أسئلتهم باللغة الألمانية، لأنه أتقنها في غضون شهرين أو أكثر قليلاً، بعيدا عن شعور الاندهاش والإعجاب بعقليته في تلك اللحظة، اعتقد كغيري أن غوارديولا سيُنفذ في الفرق الألمانية مقولة عبقري الكوميديا محمد هنيدي في رسالته التحذيرية الشهيرة للشعب الصيني في فيلم «فول الصين العظيم»، صحيح المدرب الأربعيني الشاب في تلك المرحلة، سيطر على البطولات المحلية في دوري أبطال العالم، لكنه لم ولن ينسى أبدا الصدمة الكهربائية العنيفة، التي أفقدته توازنه وأعادته كما يقول الشعب الإنكليزي من على «سطح القمر»، عندما خسر مباراته الرسمية الأولى مع العملاق البافاري أمام كلوب ورجاله بنتيجة 4-2 في الكأس السوبر الألماني، التي جاءت بعد أشهر قليلة من موسم الثلاثية التاريخية (البوندسليغا والكأس المحلية ودوري الأبطال)، الطريف أن البطولات الثلاث أتت عبر بوابة أسود الفيستفياليا.
إن تحدثت مع أحد المُتيمين ببايرن ميونيخ، وسألته عن الصداع الحقيقي الذي عانى منه غوارديولا في ولايته مع الفريق؟ أول شيء سيتحدث عن معاناته أمام برشلونة والريال وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي دوري الأبطال، الثاني وهو ما يخصنا… لحظات الجحيم التي كان يعيشها بيب كلما واجه كلوب، خصوصا في المباريات الإقصائية والكؤوس، التي شهدت 4 مواجهات مباشرة، ثلاث خسرها الكتالوني بواقع مباراتي كأس سوبر وواحدة نصف نهائي كأس ألمانيا بركلات الترجيح، وفاز مرة واحدة في نهائي الكأس 2014، أما على مستوى الدوري، فتقابلا 4 مرات خلال موسمين، فاز الألماني مرة في قلب «آليانز آرينا» بثلاثية نظيفة، وخسر ثلاث مرات، منها مرة بنفس هذه النتيجة في «سيغنال ايدونا بارك»، لنستنتج أن المُحصلة النهائية في المواجهات المباشرة بينهما في ألمانيا، كانت متكافئة بأربعة انتصارات لكل مدرب، وهذا في حد ذاته يصب في مصلحة كلوب، لفارق الإمكانات والقدرات في كل النواحي، سواء الفردية أو المادية بين دورتموند والبايرن، وهو تقريبا نفس الفارق بين ليفربول ومانشستر سيتي في الوقت الراهن!
ما يدعو للدهشة، أن الطريقة التي يفوز بها كلوب على غوارديولا منذ معارك دورتموند والبايرن، هي نفسها التي كرر بها تفوقه في مباراتي دوري الأبطال، مُعتمدا على إستراتيجية 4-3-3، بإعطاء ثلاثي الوسط تعليمات بالضغط من الأمام، وترك الكرة للفريق السماوي يفعل بها كل شيء، إلا أن تصل بسهولة لكيفن دي بروين أو دافيد سيلفا وأمامهما مساحة في الثلث الأخير من الملعب، تماما كما كان يفعل بإلكاي غندوغان وماركو رويس وأمامهما مخيتاريان وليفاندوسكي قبل انتقاله للبايرن وبيير إيمريك أوباميانغ، أشبه بالرباعي الحالي تشامبرلين وصلاح وفيرمينو وماني، وشاهدنا مدى الصعوبة التي واجهها فرناندينيو وغندوغان في مباراة الثلاثاء، لنقل الكرة أكثر من 5 أمتار في منتصف الملعب. وكيف يتم التمرير وستة لاعبين من فريق كلوب منتشرين بشكل نموذجي في مساحة لا تزيد على 30 لـ35 مترا في منطقة المناورات؟ لذلك لم نُشاهد الطريقة النموذجية التي يلعب بها السيتي، بالتمرير القصير بطول الملعب مع تحركات بدون كرة من على الأطراف، وكأنهم يُريدون الدخول بالكرة إلى المرمى. بل شاهدنا فريقا مُفككا وسطه ودفاعه في واد والهجوم في واد، رغم البداية المثالية بتسجيل هدف جيسوس في أول ثلاث دقائق. وهذا وضح في الإفراط في التمرير العالي، الذي تعامل معه الثلاثي فينالدوم وميلنر وتشامبرلين بكل سهولة، لذلك أجُبر دي بروين على النزول لوسط ملعبه ليتسلم الكرة ويضع بصمته، لكن كما يقول العندليب «طريقك مسدود مسدود يا ولدي»، بغابة من السيقان الحمراء، التي كانت تُعرقله وتستنزف طاقته بإسقاطه قبل أن تطأ قدماه دائرة المنتصف، وهذا الأمر فعله فيرمينو (رأس الحربة) أكثر من ثلاث مرات! فكان لكلوب ما أراد، بنفاد المخزون البدني لأخطر عناصر السيتي في الشوط الثاني، أضف هدية القدر بطرد بيب لاعتراضه على الهدف الصحيح الذي سجله ليروي ساني في آخر لحظات الشوط الأول، هنا انقلبت الأمور رأسا على عقب في الشوط الثاني، الذي لعبه الريدز بثقة وتحرر أكثر ما كان في بداية المباراة، هذا في وجود لاعب قادر على صُنع الفارق كصلاح، يحتاج فقط لمسة أو لمستين في الثلث الأخير من الملعب لإرهاب أي خط دفاع في العالم، وكان في نصف الفرصة الوحيدة التي ترجمها للهدف الذي قضى على آمال السيتي في العودة، قبل أن يُطلق فيرمينو رصاصة الرحمة بالهدف الثاني، ليجني كلوب ثمار قراءته الجيدة لسيناريو المباراة، بالاعتماد على قوامه الرئيسي الثابت، وعدم «التفلسف» في إعطاء تعليمات وأدوار جديدة للاعبين، كما فعل غوارديولا في المباراتين، بوضع غندوغان كصانع ألعاب وعلى يمينه الأشقر البلجيكي في شوط الكوارث في مباراة الذهاب، وفي الإياب غامر باللعب بدافيد سيلفا وبيرناردو سيلفا ودي بروين ورحيم ستيرلينغ وليروي ساني وأمامهم جيسوس مهاجم وحيد، وفي اعتقادي، هذا قد يكون السبب الرئيس وراء الاستحواذ السلبي طوال الشوط الأول، باستثناء هوجة آخر خمس دقائق، وربما كان من الأفضل له أن يبدأ بأغويرو برفقة جيسوس، طالما كان هدفه منذ البداية اللعب «الكل في الكل». من خلال الحكم على سلسلة المواجهات المباشرة بين كلوب وغوارديولا، أتصور أن من أسباب تفوق المدرب الألماني، الذي يُعتبر بلغة الأرقام أكثر من هزم الفيلسوف بواقع ثماني مرات مقابل خمس هزائم وتعادل وحيد، احترامه وتقديره لخصمه الكتالوني، ونُلاحظ ذلك في التعبير الذي يستخدمه بوصف غوارديولا بأفضل مدرب في العالم، تقريبا في كل لقاء صحفي قبل أي مواجهة بينهما، بجانب التعامل بواقعية، أو بالمُصطلح الكروي يلعب بطرق تتناسب مع قدرات وإمكانيات لاعبيه. في المقابل، يُحاول بيب القيام بعمل شيء آخر غير المُعتاد منه، كما نعرف جميعا أن ميزة مدرب برشلونة وبايرن ميونيخ السابق، أنه يُركز على نقاط قوة فريقه بدون أن يُعير المنافس أي انتباه، إلا في مواجهاته أمام دابته السوداء، باستثناء ثلاثية «سيغنال ايدونا بارك» وخماسية 2017، ولو أن مباراة الخمسة قُتلت بعد طرد ساديو ماني في نهاية الشوط الأول، في الغالب يُفكر في نقاط قوة وضعف فريق كلوب، وهذا في حد ذاته، يقضي على 50 أو 60٪ من السحر المعروف عن كرة غوارديولا، أو كما قال بنفسه: «الكرة الاستثنائية التي يُقدمها فريقه».
ربما لو تعامل مع قاهره الألماني كما يتعامل مع كل منافسيه، بمن فيهم مورينيو حتى بعد خسارة الدربي الأخير، على الأقل سيظهر بالصورة المعروفة عن فريقه، وليس بهذا التخبط والاهتزاز، لدرجة تسجيل هدف يتيم في 180 دقيقة، وأرقام أخرى سلبية منها على سبيل المثال التعرض للهزيمة للمرة الأولى في مسيرته في ثلاث مباريات متتالية، وللمرة الأولى أيضا في رحلته التدريبية يخسر من مدرب بعينه ثلاث مرات في موسم واحد! والسؤال الآن: هل ستستمر هذه العقدة أم أن الفيلسوف سيكون له رأي آخر وسيُعاقب كلوب على التفوق عليه في المستقبل؟

ما سر التفوق التاريخي لكلوب على الفيلسوف غوارديولا؟

عادل منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية