اثناء حرب غزة كانت ثلاجات ورفوف المحال التجارية بالضفة خالية تماما من اي منتج اسرائيلي، ويوجد ملصق على واجهت الثلاجة «شراؤك من هذا المنتج او ذاك يساهم بالحرب على غزة» بعد وقف اطلاق النار انهارت هذه الحالة وعادت الثلاجات نفسها والمحال نفسها للتعامل مع منتجات الاحتلال، تحت شعار»الحرب انتهت»، اذن هذه لم تكن مقاطعة، بل مجرد استراحة قصيرة لا ترتقي حتى الى وصفها بحملة، بل يكفي ان يطلق عليها مجرد نشاط او بمعنى اخر لا يوجد قانون ينظم هذه المقاطعة وتركت للتقدير واجتهاد التجار الى حين انتهاء العدوان.
في الوضع الطبيعي مقاطعة الاحتلال وبضائعة وكل ما ينتج عنه يجب ان لا تكون من خلال دعاية او حملة ترويج وملصقات او مقطع على اليوتيوب، بل هي شيء بديـــهي ومفـــروغ منه وغـــير قابل للنقاش، وهي جزء لا يتجزأ من حالة الرفض للاحتلال اصلاً، والدافع للقيام بالمقاطعة يجب ان يكون وطنيا، كما انها يجب ان لا تكون موسمية ومرتبطة بالوضع الامني على الارض، او بالعدوان الاسرائيلي على غزة وغيرها، ثم عند التسوية السياسية نرجع من جديد الى استعمال منتجاته وكان شيئا لم يكن.
اذكركم بحـــملات المقاطعة الحقـــيقية، عندما قاطع السود في جنوب افـــريقيا اقتصاد البيض، الى ان نجحـــوا في انهاء ســـياسية التميـــيز ضدهم، والشيء ذاته حققه غاندي، حـــتى نالت الهــــند الاستقلال، عندما كانت المقاطـــعة مطلـــقة وشاملة وشعبية بامتياز، لكل ما ينتــج المحــتل وباســـتمرار. والفرق بين هذين المثالين والمقاطعة في الضفة، ان الدافع هناك وطني وهنا الى حد كبير دعائي.
النشاطات الواسعة والكثيرة التي خــرجت من اجل مقاطعه منتجات الاحتلال، او منتــجات المستوطنات سابقا لفترات وجيزة اخذت الاكتفاء الدعائي الاعلامي، ومن ثم غابت عن الساحة لان ارتباط المقاطـــعة بالحالة الســـياسية السائدة او المزاج الحزبي يجـــعل منها مجـــرد عملـــية تفـــريغ لا اكثر، اما اذا تم التعامل معها كثقافة مجتمعــــية واقتصادية وقانون معـــمول به، فهـــي بذلك تصبح مقاطعة فعلية مــؤثرة ومـــدوية وورقة ضـــغط قوية.
ولكني استغرب فعلا المقاطعة لمنتجات اسرائيل، وفي الوقت ذاته نحن نعيش في ظل اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تعتبر فعلا تزاوجا اقتصاديا غير شرعي وغير منطقي مع السوق والاقتصاد الاسرائيلي، وهي خطأ تاريـــخي غبي بشـــهادة من وقّع عليها، وباختــصـــار لا يوجد اي معنى لحملات المقاطعة في ظــــل هذه الاتـــفاقية، ولا يوجد معنى لمقاطعة مجمـــوعة من المواطنـــين، اذا كانت السياسة الاقتصادية العليا للدولة تتمسك باقتصاد اسرائيل، وتتبع له فانها بذلك تلغي تماما اي نوع من انواع المقاطعة، وتجعل منها مجرد نشاط شبه شعبي محـــدود لفترة وجيزة، لذا يجب ان يتوفر قبل البدء بالمقاطعة حـــالة وعـــي ومن ثم حالة رفض لهذه الاتفاقية، وان تصبح المقاطعة ثقافة وطنية وثابتا وطنيا، فالأولى والاجدر ان تحل وتلغى اتفاقية باريس وبعد ذلك ستتحول المقاطعة من مجرد نشاط الى حملات اوسع ومن ثم الى ثقافة.
٭ ناشط سياسي فلسطيني
حسن خلاف