في مقابلة لعملاق التلفزيون الأمريكي جون ستيوارت قال براك اوباما: «ليس عندي اوهام بالنسبة لإيران. يحكم فيها نظام معاد لأمريكا، معاد لاسرائيل، معاد للسامية، يقمع حقوق الانسان…» قال ستيوارت ساخرا: بالضبط احد ما لعقد اتفاق سلام معه. بالضبط، اجابه اوباما دون سخرية، فأنت تعقد الاتفاقات مع الاعداء، وليس مع الاصدقاء.
ادعاء اوباما عتيق الزمن، ما لا يجعله صحيحا. فثمة اعداء لا يدخل معهم الانسان العاقل في اتفاقات موضعية ومحدودة الهدف، وثمة اعداء لن يصافحهم أي انسان عاقل. لقد رفض تشرتشل بعناد ان يجري حتى مفاوضات غير مباشرة مع النظام النازي في المانيا وحذر من المنزلق الاخلاقي السلس الذي قد تتدهور مثل هذه المحادثات اليه. العدو النازي، قال، يجب سحقه. من جهة اخرى، كان مستعدا لان يجري مفاوضات بل ووقع اتفاقات مع عدو آخر ـ النظام الستاليني.
ان التمييز بين الشر والشر ليس امرا مفهوما من تلقاء نفسه، لا لبس فيه او قابلا للتصنيف العلمي. وهو يتأثر بطبيعة السياسيين، المزاج الدولي، وبالطبع المصالح. جورج بوش الاب ما كان مستعدا باي حل وسط مع صدام حسين باستثناء استسلامه التام للانذار الأمريكي الاخير؛ وفي ظل عدم وجود الاستسلام اقلعت طائرات القصف واطلقت الصواريخ. وتصرف بيل كلينتون على نحو مشابه مع نظام ميلوشفتس في صربيا. مع الاسد السوري، بالمقابل، كانت أمريكا معنية دوما بالوصول إلى هذه التسويات او تلك.
في الحالة الإيرانية، الخيار بين اطياف الشر اقل تركيبا مما يبدو. إذا كانت كل المزايا التي وجدها اوباما في النظام الإيراني الحالي صحيحة، وهي صحيحة، فان الاتفاق النووي الشامل الذي وقع في فيينا كان يجب أن يتضمن تعهدا صريحا، مكتوبا وموقعا لتغيير تدريجي في طبيعته. ليست تغييرا في جوهره ـ النظام في طهران سيبقى دينيا ومتزمتا طالما لم يثر الشعب الإيراني عليه ـ بل تغيير في سلوكه تجاه حقوق المواطن، نشر الدعاية المعادية ضد أمريكا واسرائيل ودعمه العسكري لمنظمات الإرهاب. غياب كل ذكر واشارة إلى هذه المواضيع في الوثيقة النهائية هو في نظري فشل اخلاقي وواقعي على حد سواء لكل الموقعين عليه، ولا سيما الولايات المتحدة، فرنسا والمانيا.
ان ادراج تعبير «حقوق المواطن» في الوثيقة النووية كان قابلا للتحقق إذا اخذنا بالحسبان ضعف الطرف الإيراني، وكان سيبث ريحا جديدة في أشرعة المعارضة الديمقراطية الإيرانية. وليس فقط إيرانية؛ فطغاة الشرق الاوسط كانوا سيستنتجون من ذلك بان في تطلع أمريكا للوصول إلى تسويات تخدم مصالحها فانها لا تتنازل ولا تطوي علم الديمقراطية الليبرالية.
وبالنسبة لنا، فان مندوبي الدول الغربية الرائدة كانوا ملزمين بان يطالبوا النظام الإيراني، كجزء لا يتجزأ من الاتفاق النووي، بتبني مبادرة السلام للجامعة العربية. فالمبادرة تتضمن، كما هو معروف، استعدادا للاعتراف السياسي الكامل باسرائيل وتطبيع العلاقات معها، مقابل الانسحاب من المناطق. ليس أكثر، ولكن ايضا ليس اقل.
ان الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود هو مقياس الفحص للتحول الديمقراطي في الانظمة العربية ـ الإسلامية. عندما حكم إيران الرئيس الاصلاحي خاتمي، توقف المشروع النووي ـ وفي نفس الوقت رقت التصريحات ضد دولة اسرائيل، لدرجة الاستعداد للتسليم بوجودها. العكس حصل في عهد الرئيس احمدي نجاد. فهم هذا جيدا وزير الاقتصاد الالماني زغمر جبرئيل، الذي في زيارته الاسبوع الماضي لطهران أوضح بصوته لمضيفيه بان عليهم الكف عن وصف اسرائيل كشيطان والاعتراف بوجودها فورا. وحاول الوزير الالماني ان يصلح بذلك قصور الاتفاق: محاولة لم تنجح بعد.
لقد وقعت القوى العظمى على اتفاق فيينا دون أن يعترفوا بانهم يفعلون ذلك باسم اسرائيل ايضا ـ وحسب تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، في صالح اسرائيل ايضا ـ رغم انهم لم يخولوا بذلك. لقد حصل هذا غير مرة في تاريخ الشعوب الصغيرة، حين تقرر القوى العظمى ما هو جيد لها. احيانا يقررون صحيحا، احيانا غير صحيح؛ بشكل عام غير صحيح.
يديعوت 26/7/2015
سيفر بلوتسكر