عرفت السنوات الأولى من بداية الألفية الثالثة تصاعدا مذهلا في عدد المدونات Blogs سواء على منصات «بلوغر» أو «ووردبريس» وغيرها من المنصات الغربية والعربية المجانية التي تقدم هذه الخدمة مقابل بث أو نقرات الزوار على وصلات إشهارية تكون في الغالب غير مدرة للربح لصاحب المدونة بل للشركة المصممة للمنصة الرقمية.
وعرفت هذه المرحلة كذلك قفزة أخرى لدور»الصحافة المواطنة» مع ظهور دعامة المنتديات الموضوعاتية أو المتنوعة.
ويمكن اعتبارها من أخطر منصات التفاعلية وأوسع ساحة افتراضية للسجالات والتعليقات بين أعضائها في مختلف الأقسام السياسية والنقدية والفلسفية والدينية..إلخ إلا أن ما يميز خاصياتها عن المدونات الشخصية أن فـريق إدارة المنـتدى تكون له كامل الصلاحية للتشـطيب على أي عضـو(ة) وحرمانه من النشر مبـاشرة إذا ما أخـل بقانون المنتدى وانحرف عن خطـه التحريري في مواضيع لها علاقة برأيه الخاص في السـياسة والإثـنية والمقدسـات كالإلـحاد أو التطرف أو اقـترافه للسـرقات الأدبـية أو السـب والقـذف وغيـرها..إلخ.
ومما لاجدال فيه أن هذه المنابر الإلكترونية قد أسهمت في بلورة وعي حقوقي وسياسي عربي جديد قائم أساسا على خصوصياتها الرقمية كحرية التعبير والنقد والتفاعلية الآنية ومتوالية الردود الجريئة دون قيد أوشرط أو تأشيرة من جهة ما كيفما كانت سلطتها الرمزية أو المعنوية أو القانونية..إلخ عدا سلطة إدارة المنتدى.
وإذا كانت المدونات والمنتديات وغرف الشات والبالتوك فيما بعد تقتضي أن يلم العضو الناشر بأبجديات وتقنيات الرقمية لنشر مشاركته في صيغة متناسقة ومنسجمة إن على المستوى اللغوي والفكري أوعلى مستوى إستيتيك التنزيل الرقمي الفائق، فإن إنشاء مواقع التواصل الإجتماعي ( فيسبوك في 4 كانون الثاني/يناير سنة 2004 ويوتيوب في 14 شباط/فبراير سنة 2005 ) قد أحدثا معا انفجارا هائلا في قنوات التواصل عرفت معه «الصحافة المواطنة» ثورة إعلامية أذكاها بالدرجة الأولى جشع شركات إنتاج تكنولوجيات التواصل الحديثة للسيطرة على الأسواق العالمية مما أدى إلى انتشار المعدات المتطورة (حواسيب محمولة تابليتات هواتف ذكية ) بين مختلف الفئات الإجتماعية حتى الفقيرة منها وبالتالي حفز عديدا من المواطنين سواء من باب الفضول تارة أوعن دراية ووعـي تـارة أخـرى علـى اقتحـام تـجربة إعلام بديل يستجيب لقناعاته الفـكرية والسياسية وأيضا للتنفـيس عن مـواقف لاوعيـه السوسيوثقـافي.
يجمع جل الأخصائيين في مجال التواصل والميديا الإجتماعية أنه ما كان للثورات العربية أن تندلع لولا وقود انتشار»الصحافة المواطنة» بفضل توسيع خريطة الربط الشبكي وانتشارالأجهزة الإلكترونية الذكية واختراقها لمتاريس الرقابة وقدرتها على تعبئة الرأي العام بخطاب إعلامي إجتماعي بديل ومغاير يستقي مادته الخبرية الخام من فضاءات المجتمع المدني ونبض الشارع بدل أحاديث الصالونات الحزبية والنقابية ولغة الخشب السياسية.
ولعل أن فيسبوك بما تتيحه منصته من تطبيقات هائلة مقارنة مع مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى كإدراج روابط تشعبية وفيديوهات وملفات صوتية وصور رقمية معبرة وأخيرا بث حي كل هذا جعل من فيسبوك بما حمل من حقائق دامغة أو مغالطات على حد سواء أول منصة خبرية إلكترونية كونية تتلاطم في محيطها أمواج الرأي والرأي الآخر بين مد وجزر وكر وفر، حتى صارفي كثير من الأحيان مصدرا موثوقا به لعديد من المنابرالإعلامية العملاقة المحلية والدولية إن لم يكن قد بات هو العدو الإعلامي الإفتراضي الأول حاليا لعديد من الأنظمة القمعية والشمولية.
وبالرغم من كون المغرب قد شكل بصورة نسبية استثناء سياسيا في شمال القارة بقدرة النظام على احتواء رياح الربيع العربي فإن هذا لن يبخس في شيء دور»الصحافة المواطنة» في مواكبة ورصد غليان الشارع وتطلعات التنظيمات الشعبية من خلال استثمار صفحات فيسبوك وتسجيلات يوتيوب إن على المستوى الفردي أو على مستوى المجموعات والتنسيقيات ومختلف إطارات المجتمع المدني..إلخ.
والسؤال المطروح اليوم هو هل ستؤدي مدونة الصحافة والنشرالجديدة التي تم تنزيل قانونها 88.13 منذ 15 آب /أغسطس 2017 إلى طرد هذه «الصحافة المواطنة» من جنة «حريتها « بعد أن تمادت في سنوات ربيعها المغربي في قضم فاكهة التابوهات ومشاكسة الخطوط الحمراء التي لم ولن تجرؤ الصحافة الوطنية على إثارة أسئلتها المحظورة كالنبش في سؤال الثروة وتعرية أوكار الدعارة الراقية و«البيدوفيليا» والمتاجرة بالدين والرشوة على اختلاف صفقاتها والجنس مقابل النقط والتشرميل والسطو على العقارات والشطط في استعمال السلطة والإختلالات المالية والانحرافات الإجتماعية وغيرها من القضايا الساخنة التي هزت الرأي العام الداخلي والخارجي تحت شعارات ولوغوهات بارزة ودالة مثل (ماتقيش كذا..!) أو(زيرو كذا..!) أو(مامفاكينش..!)..إلخ ؟
وللحقيقة التاريخية فأن السلطات في المغرب قد تعاملت بمرونة وبسعة صدر وبـ«لعبة الغميضة» مع جرأة «الصحافة المواطنة» فبالرغم من الرياح الهوجاء التي عصف بها الربيع العربي لم تسجل خروقات حقوقية جسيمة ومتكررة مقارنة مع دول أخرى كتونس أو مصر أو السعودية أو سوريا أو إيران حيث تكررت حالات حجب المواقع والاعتقالات والمحاكمات والاعتداءات على عشرات المدونين والنشطاء الافتراضيين على مواقع التواصل الإجتماعي.
لكن إذا كانت السلطات المغربية قد تعاملت بدهاء وذكاء ولم تكن تراقب غير نصف الكأس الفارغ في «الصحافة المواطنة» فعلى الدولة والمجتمع المدني ونقابة الصحافة وفدرالية الناشرين أن يقروا ويعترفوا بأن هذه الدعامة الإعلامية الشعبية المفعمة بالحيوية الشبابية في نصف كأسها المملوء قد لعبت دورا أساسيا باعتبارها كانت وستظل «سلم ريختر» لقياس درجة الزلازل الإجتماعية ومجهرا دقيقا لرصد اعتمالات الواقع والإنصات لنبض الشارع مما ساعد الدولة على الإسراع إلى نهج السياسة «الاستباقية « بدل نهج سياسة حجب المواقع أواعتقال المدونين والنشطاء الافتراضيين وهذا لم يحدث سوى في حالات نادرة جدا ومعدودة على أصابع اليد الواحدة.
ملحوظة : أقصد بـ « قانون المدونة» في العنوان مدونة الصحافة والنشر التي تضمنت القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر بمختلف دعاماته الورقية والإلكترونية، إلى جانب القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، والقانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة.
كاتب من المغرب
عبده حقي