ما معنى الحضور الطاغي لثورة يوليو والاستدعاء الزائد لعبد الناصر؟!

لو لم أكن في القاهرة ما شعرت بذلك الحضور ولا هذا الاستدعاء لثورة يوليو ولا لزعيمها جمال عبد الناصر.. وأن يتعلق شعب بثورة بلغ عمرها ثلاثة وستين عاما.. ويحن لقائدها بعد أن غيبه الموت منذ خمسة وأربعين عاما؛ مع أن الزمن غير الزمن، والبشر غير البشر، والظروف غير الظروف ولهذا مغزى كبير. ولفت نظري أن قناة فضائية (مصرية) خاصة؛ محسوبة على فلول حكم عائلة مبارك، استضافت عبد الحكيم نجل الزعيم الراحل في برنامج بثته مساء 23 تموز/يوليو الماضي، وكان عنوانه «ماذا تبقى من ثورة يوليو؟»، استجابت القناة لضغط المشاهدين والمتصلين، وغيرت اسم البرنامج إلى «ما كل هذا الخلود؟».. وكنت أفضل أن يكون العنوان «ما كل هذا الحضور»!.. وهذا ذكرني بمقال للكاتب الصحافي فرانسوا باسيلي (أمريكي من أصل مصري، والمقال منشور في اكتوبر 2008)، بعد تسعين عاما من مولد عبد الناصر، وكان عنوانه: «لماذا لا يموت عبد الناصر؟!».‬
وأجاب على السؤال بمواقف ناصر الشجاعة؛ المليئة بالعزة والكرامة، وقدرته على المقاومة.. وكلها صنعت منه بطلا تاريخيا، فتحول الى رمز «منح الآخرين املا وامكانية».. وهو ما ضمن له مكانه فى التاريخ؛ فحلمه لم يكن حلما شخصيا ماديا محدودا بل كان «حلما يحتضن فى جناحيه احلام الملايين ويمنحها الصوت والصورة والرمز والمعنى ووعد الانضمام الى معركة الخير ضد الشر والمظلوم الضعيف ضد الظالم القوي.. وهو حلم الانسان فى كل الشعوب وكل العصور. حلم عرف الشعب المصري – والشعب العربي حوله – ان عبد الناصر هو فارسه وصانعه.. وحتى عندما اصيب الفارس فى مقتل من قبل اعدائه فإنه ظل حيا فى قلوب ومخيلة الجماهير التي اخلص لها وآمن بها واراد لها العزة والحرية والكرامة.. لهذا لا ولن يموت عبد الناصر»!.
واللغز هو في انتشار هذه المشاعر بين أجيال لم تره، أو تعش أيامه، ولا استفادت منه، ولا خاضت معاركه.. وحله؛ أنه ما زال حيا في وجدان المتطلعين إلى استعادة حلم «الكفاية والعدل»، وهم الغالبية العظمى، وتصل نسبتهم إلى 60٪ من سكان «المحروسة»، وإذا أضيفت إليها الشرائح الدنيا والمتوسطة من الطبقة الوسطى لارتفعت النسبة إلى أكثر من 80٪.. وأبناء هؤلاء وأحفادهم هم من صاغوا شعارات ثورة 25 يناير 2011 في «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية».. واستمرار شن الحملات التي لا تتوقف ضد شخص عبد الناصر، وتشويه إنحيازات ثورته وإنجازات مشروعه.. وكأنه التزام قطعه أعداؤه على أنفسهم لتنفيذ مقولة الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون حين وطأت قدماه أرض مصر عام 1974.. ووردت على لسانه: «لن نسمح بظهور ناصر جديد».. أي أن أمريكا القوة الأعظم لن تسمح بظهور قادة وزعماء؛ لا تتوفر فيهم المواصفات والشروط، التي تلبي مصالحها وتستجيب لأطماعها وتخضع لهيمنتها!!
وكشفت ذكرى ثورة يوليو أوجاعا كثيرة؛ منها أوجاع فلاح تحدث بها لأحد البرامج الحوارية مع قناة (فلولية كذلك) عن معاناته منذ أن أُنتُزِعت أرضه، وتم طرده منها سنة 1987 بمساعدة الشرطة، وما زال يلجأ للمحاكم «عله‫ يأتي منها بقبس أو يجد على النار هدى‬»، ويجد في القانون إنصافا يرد له أرضه، وأعتقد أنه يعلم وهو الرجل الكهل أن أغلب الأذان الرسمية صماء، لا تسمع أنين الفقراء ولا بكاء المحرومين أو صراخ البؤساء. وكتبنا مرارا عن «نظام القنانة» السائد بعد تطبيق القوانين الظالمة المتحكمة في العلاقة بين الملاك والمستأجرين، والمفسدة لنظام «الخصخصة»، وبها تم طرد آلاف الفلاحين من أراضيهم ومساكنهم، وتم نهب وتصفية المشروعات الصناعية والتحويلية والخدمية الكبرى، والاستيلاء على أراضي الدولة وتحويلها إلى أبراج سكنية وإدارية ومنشآت سياحية ومجمعات تجارية (مولات) لحيتان المال والأعمال والسماسرة وتجار المخدرات والعاملين في توظيف وغسيل الأموال.
وتحت أعلام ثورة يوليو وقيادة عبد الناصر سعت مصر إلى إبراز نقاط القوة الخاصة والعامة فيها.. وبدأت بإحداث توازن ضروري في توزيع الثروة وملكية الأراضي، ولم يكن هناك من سبيل غير «القضاء على الإقطاع» وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وسمح قانون الإصلاح الزراعي الأول للإقطاعيين بمئتي فدان للفرد وثلاثمئة فدان للأسرة، وما زاد عن ذلك يسلم للدولة.. بجانب أن القانون أعطى الإقطاعيين مهلة للتصرف في الأراضي الزائدة عن النصاب المحدد في القانون.
وعلى خط مواز جاء الاهتمام بالريف والتوسع في الخدمات الموجهة لأبنائه وسكانه.. فأنشئت الوحدات الصحية في القرى.. وانتشرت المدارس في أنحاء مصر.. ووصل المعدل إلى بناء مدرستين كل ثلاثة أيام.. بجانب نظام «الوحدات المجمعة».. التي ضمت مدرسة، وعيادة طبية، وناديا اجتماعيا وثقافيا وملعبا رياضيا، ومكتبة عامة، وقاعة عرض مسرحي وسينمائي، ومشغلا للفتيات، ومركز للتدريب على الصناعات الريفية كصناعة النسيج والألبان والتقليدية مثل السجاد والكليم.
دخلت مصر بقوة إلى التنمية الشاملة من أوسع الأبواب؛ أسست «مجلس الإنتاج القومي»، وأنشأت «المؤسسة الاقتصادية»، وأقامت «البنك الصناعي»؛ لمساعدة وتمويل المستثمرين الراغبين في الدخول إلى المشروعات الصناعية والتنموية، وأخذت بنظام الاكتتاب الشعبي لتمويل أول مصانع الحديد والصلب بحلوان في خمسينات القرن الماضي، واتجهت لصناعة السيارات في 1959 وظهرت السيارة «رمسيس» ولو تطورت تلك السيارة خلال نصف القرن الماضى لاحتلت مصر مكانة متقدمة في هذه الصناعة.. لكن «التتار الجدد» قضوا عليها في مهدها بدلا من تطويرها.. وما تقدمت عليها دول عدة بدأت نهضتها بعدها بسنوات!!..
ولمعت فكرة «السد العالي» لتحويل ري الحياض إلى ري مستديم، وإضافة مئات الآلاف من الأفدنة إلى الرقعة الزراعية.. وزادت من ستة ملايين فدان إلى عشرة ملايين فدان. بجانب مضاعفة إنتاج الطاقة الكهربية.. وما صُفي منها ذهب إلى حال سبيله.. والباقي حصلت عليه احتكارات أجنبية بأبخس الأسعار، ثم أحتفظت بخطوط الانتاج المصرية.. واقتصر «التطوير» على تغيير الملصق (الليبل) بالاسم التجاري الأجنبي بدلا من المصري.. وكان ذلك واضحا في صفقة شركة “إيديال” للثلاجات والأجهزة المنزلية.
وزاد الاهتمام بالصناعات العسكرية والاستراتيجية.. وحين اقتربت الخصخصة منها، أسرعت القوات المسلحة بإنقاذها، وفشلت في إنقاذ شركة «المراجل البخارية»؛ أهم وأخطر الشركات الاستراتيجية، واستطاعت إنقاذ مصانع «سيماف» للسكك الحديدية.. وتتولى حاليا تأهيل شركة «النصر لصناعة السيارات»، وضمتها للمصانع الحربية؛ لتعود مصر بلدا منتجا للسيارات والجرارات والحافلات مجددا.. وهذا استفز الشركات الأمريكية وتوابعها الأوروبية.. وتستعين بوكلائها و»حيتان» المال والأعمال المصريين لتعطيل هذا التوجه. وكانت مصر قد بدأت صناعة الطائرات منذ ستينات القرن الماضي؛ بالشراكة مع الهند ويوغوسلافيا السابقة.. وصناعة الصواريخ الموجهة بمعاونة العلماء الألمان.. وقضى «التتار الجدد» على كل ذلك الرصيد، وتخلصوا من المهندسين والفنيين والعمال المهرة، وأخرجوهم إلى «المعاش المبكر».
وحققت مصر أكبر ثورة اجتماعية في تاريخها.. وطبقت نموذجها «الاشتراكي».. إلى أن جاء من يعتبر «الاشتراكية» رجسا من عمل الشيطان؛ أما «الرأسمالية» فهي «حلال» بفرمانات وفتاوى لشيوخ عصر الهيمنة الصهيو أمريكية. والحل هو أن تنهض مصر وتكثف جهودها لتكوين «كتلة اقتصادية عربية»؛ تعوض ما فات، وأعتقد أن نواتها تبدأ بمصر والمغرب والجزائر.. فمستوى التطور الصناعي والزراعي والتقني فيها ملحوظ، ثم ينضم من يرغب تباعا.
أوجزنا بعض ما أنجز ذلك العصر، وقد انتهى بحرب 1973 وبمنح واشنطن 99٪ من الأوراق السياسية.. وهذا بعث برسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي تقول بأهمية العدالة الاجتماعية والاكتفاء الذاتي، وهي ليست رسالة ضغط من شعب يؤيده بل مطلب له؛ مع استعداد للسير في طريق تنفيذه.. وينتظر إشارة من يقوده.. وفي حدود علمي لا أعتقد أن هناك مسؤولا قريبا من الرئاسة على دراية بأهمية ذلك الطريق، فكثير منهم تأمرك، وبعضهم تصهين.. فهل تحدث المعجزة؟!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية