إسطنبول ـ «القدس العربي»: على مدى أشهر طويلة رفضت تركيا بشكل قطعي جميع الدعوات الأمريكية للإفراج عن الراهب أندرو برانسون وذلك في محاولة للحصول على ثمن ما من الإدارة الأمريكية التي ترفض حتى الآن تقديم أي تنازلات للجانب التركي.
فأنقرة التي تقول المصادر غير الرسمية إن لديها من الأدلة ما يكفي لإدانة القس الأمريكي بتهم تتعلق بالتعاون مع منظمات إرهابية وأخرى مرتبطة بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد عام 2016 مصممة على عدم التفريط بهذه «الورقة الثمينة» دون ثمن.
وفي هذا الإطار جرت طوال الأشهر الأخيرة، لا سيما الأيام التي أعقبت تفجر الأزمة وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البدء بفرض عقوبات على تركيا مفاوضات حثيثة للتوصل إلى «صفقة» ما بين الجانبين، لكنها فشلت في التوصل لأي صيغة توافقية بسبب الإصرار الأمريكي على عدم تقديم أي تنازلات لتركيا.
وعلى الرغم من أن جميع الإشارات الرسمية والإعلام تتجه نحو مطالبة أنقرة لواشنطن بتسليمها فتح الله غولن المتهم الأول بتدبير وقيادة محاولة الانقلاب ضد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلا أن المطالب الحقيقية لتركيا تتركز في اتجاه آخر لمعرفتها بصعوبة أو «استحالة» الحصول على هذا «الكبش الكبير» مقابل القس الأمريكي.
وحسب التسريبات المتوفرة، فإن المطالب التركية تركزت على إغلاق ملف التحقيقات التي يقوم بها القضاء الأمريكي حول خرق أنقرة للعقوبات الأمريكية على إيران ووقف الإجراءات العقابية المتوقعة ضد بنك خلق الحكومي والإفراج عن نائب مديره العالم هكان أتيلا وتأمين عودته إلى تركيا.
ودانت محكمة فدرالية في نيويورك محمد هكان اتيلا بناء على شهادة رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب الذي أصبح شاهدا للحكومة بعد إقراره بعمله كوسيط أساسي لتجارة معقدة لكن مربحة كانت تسمح لإيران عبر المصرف الحكومي التركي «خلق بنك» بضخ مليارات اليورو من عائدات المحروقات في النظام المصرفي الدولي مقابل الذهب.
ويتوقع أن تصدر أحكاماً بالسجن لعدة سنوات بحق «أتيلا» إلى جانب فرض عقوبات مالية «ضخمة جداً» قد تصل إلى عدة مليارات دولار بحق البنك الحكومي التركي الذي من الممكن أن تؤدي هذه العقوبات إلى انهياره مالياً حال حصول ذلك.
ويقول الكاتب التركي المقرب من الحكومة «عبد القادر سيلفي» في مقال له في صحيفة «حرييت» التركية إن آخر جلسة مفاوضات بين الجانبين الأمريكي والتركي حول الراهب برانسون تركزت حول قبول أنقرة الإفراج عن الراهب مقابل إفراج واشنطن عن أتيلا.
لكن الكاتب أشار إلى أن الجانب الأمريكي بقي مصراً على الإفراج عن برانسو بشكل فوري ودون ثمن مباشر مقابل وعود أمريكية بـ«النظر» في الطلب التركي بالإفراج عن أتيلا، دون تقديم أي ضمانات، وهو ما رفضه الجانب التركي بسبب تراجع الثقة بين الجانبين بشكل كبير.
وترى جهات تركية أن مسألة الإفراج عن الراهب الأمريكية ليست معقدة من الجانب القانوني في البلاد، كون الراهب ما زال يحاكم ولم يصدر فيه حكم نهائي بعد، وهو ما يتيح للقضاء إمكانية الإفراج عنه، لكن الأمر متعلق بالدرجة الأولى بقرار سياسي لا سيما عقب تفاقم الأزمة.
وفي أحدث مؤشر على إمكانية تطبيق هذا السيناريو، قرر القضاء التركي، الثلاثاء، الإفراج عن جنديين يونانيين كانا يحاكمان في تركيا بتهمة تجاوز الحدود والتجسس، كما أفرج القضاء التركي، أمس الأربعاء، عن رئيس منظمة العفو الدولية في تركيا والذي كان يحاكم منذ سنوات بتهم متعددة، وذلك عقب تقديم اعتراضات من قبل محامي الطرفين.
في المقابل، يقول خبير قانوني متخصص بالشؤون الأمريكية إن القضاء الأمريكي أيضاً وعلى الرغم من تأكيدات ترامب على استقلاليته وصعوبة التدخل في قراراته، إلا أنه توجد ثغرات قانونية يمكن أن تتيح لترامب الطلب بالإفراج عن أتيلا لا سيما وأن الأخير لم يصدر بحقه حكم نهائي بعد.
وتبدو أنقرة أكثر إصرارا على الحصول على الثمن المرجو مقابل الإفراج عن برانسون، لا سيما عقب تجاوزها مرحلة «الصدمة الأولى» للعقوبات الأمريكية وعودة الاقتصاد التركي للاستقرار تدريجياً بعد التراجع الكبير الذي شهده بفعل الأزمة.
لكن فرص الحل لم تنعدم بعد وذلك في ظل اللقاء الذي جمع مؤخراً مستشار الأمن القومي الأمريكي مع السفير الأمريكي في واشنطن، وزيارة السفير الأمريكي في أنقرة الراهب برانسون في مكان حبسه المنزلي. كما ان المصادر التركية لا تستبعد إمكانية الإفراج عن الراهب والقبول بمبدأ الحصول على ثمن غير معلن أو إفراج لاحق عن أتيلا لا يتم الإعلان عنه بالتزامن مع الإفراج عن برانسون، إن حصل ذلك.