ما هو الموقف التركي من أحداث إيران؟ وهل ستدعم أنقرة الاستقرار أم التصعيد؟

حجم الخط
2

إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع تصاعد الأحداث بشكل متسارع في إيران، ودخول أعداد القتلى في خانة العشرات، يتابع الساسة الأتراك ما يحصل في الجمهورية المجاورة عن قرب، بالتزامن مع تسارع الحسابات التركية حول المنافع والمضار المتوقعة لسيناريوهات التصعيد والهدوء وإعادة سيطرة النظام الحاكم على الأوضاع في البلاد.
وعقب سنوات من ثورات الربيع العربي التي لم تنجح في تحقيق أهدافها التي توقعتها أنقرة ودعمتها بناءاً عليها، تكبدت تركيا فاتورة باهظة جداً لهذا الموقف، لا سيما دعم الثورة السورية وما جلبته لتركيا من متاعب أمنية وعسكرية ومخاسر اقتصادية وموجات لجوء واسعة.
هذه الأحداث ونتائجها التي لم تأتي حسب ما اشتهى الساسة الأتراك، دفعتهم للتروي أكثر هذه المرة قبيل اتخاذ أي موقف من الاحتجاجات المتصاعدة منذ نحو أسبوع في إيران ويتوقع البعض أن تمتد وتتوسع حتى إسقاط النظام الذي لم تحسم أنقرة موقفها بعد ما إن كان إسقاطه ودخول إيران في موجة فوضى أمنية وسياسية سيكون بمصلحتها أو ضدها.
وبعد أسبوع كامل على انطلاق الاحتجاجات في إيران، أصدرت وزارة الخارجية التركية، الثلاثاء، بياناً وصفه الكثيرون بـ«الحذر والمتوازن»، فيما ذهب آخرون لوصفه بالمنحاز بشكل أكبر لصالح الدعوة لتهدئة الأمور وأظهر رغبة تركيا في استمرار الاستقرار بإيران وخشيتها من دخولها في موجة عنف.
ودعت الخارجية في بيانها إلى «تغليب الحكمة للحيلولة دون تصاعد الأحداث في إيران، وتجنب التدخلات الخارجية المحرضة التي من شأنها مفاقمة الأوضاع»، فيما أعربت عن قلقها من الأنباء التي تفيد بسقوط قتلى، فضلا عن تضرر مبان عامة، وأكد البيان على إيلاء تركيا أهمية كبيرة للسلم الاجتماعي والاستقرار في «إيران الصديقة والشقيقة».
وجاء في البيان: «نؤمن بضرورة تجنب العنف وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، مع الأخذ بعين الاعتبار، تصريحات الرئيس حسن روحاني في هذا الإطار، التي أقر فيها بحق الشعب في التظاهر السلمي، لكن دون انتهاك القوانين والإضرار بالممتلكات العامة»، وأبدت الخارجية تمنياتها في تجنب الخطابات والتدخلات الخارجية المحرضة.
وعقب البيان مباشرة، أجرى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني جواد ظريف بحث فيه التطورات الداخلية في إيران، فيما لجأت وسائل الإعلام التركية إلى اعتبار هذا الاتصال بمثابة رد بالمثل على قيام وزير الخارجية الإيراني بالتواصل مع كبار المسؤولين الأتراك طوال ليلة محاولة الانقلاب في تركيا أيلول/سبتمبر 2016، وتأكيده وقوفه ضد الانقلاب وإلى جانب الحكومة التركية.
الكاتب التركي «مليح ألتنوك» قال في مقال في صحيفة صباح التركية إن «التحركات الممنهجة في الداخل محركها الأصلي هو الوضع المرحلي في العالم والمنافسة بين الدول، انظروا إلى «الربيع العربي» الذي فرحنا به في البداية لأن «الديكتاتوريات تنهار»، وقدّسناه على أنه «ثورة تواصل»، بيد أنه تحول إلى شتاء في نهاية المطاف»، مضيفاً: «أي من هذه الاضطرابات التي سعت إليها دائمًا الولايات المتحدة كانت فيها الديناميات الداخلية هي العامل الرئيسي؟».
وتابع: «انظروا إلى التصريح الصادر عن الولايات المتحدة ما أن خرج الإيرانيون إلى الشارع، في رأيكم هل تكترث الولايات المتحدة كثيرا لرخاء إيران والإيرانيين؟»، وختم مقاله بالقول: «آمل أن يحمل عام 2018 الوعي والفطنة إلى جميع الشعوب المظلومة التي انتفضت في وجه النظام المؤسس في الولايات المتحدة، حتى تحل مشاكلها في الداخل».
وحول موقف الحكومة التركية من الأحداث المتصاعدة في إيران، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي باكير: «أعتقد أنّ على الحكومة التركية عدم الاستعجال في استصدار تصريحات أو ردود أفعال حادّة، فالتروي مطلوب خاصّة أن مسار الأحداث الحاسم لم يتّضح بعد إلى الآن، كما من غير الواضح لمن ستكون الغلبة في نهاية المطاف».
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «لكن لا شك أن الوضع سيتطلب متابعة دقيقة لموازين القوى ولردود أفعال الحكومة الإيرانية على ما يجري، الخارجية التركية أصدرت بياناً بهذا الشأن، وربما يمكن اعتباره بياناً حذراً ومتوازناً في الوقت نفسه، لكن ما يهم الجانب التركي فيه هو مسألة عدم التدخّل الخارجي في الأحداث، سيما وانّ هذا الأمر قد يفتح الباب واسعا فيما بعد أمام تدخلات مشابهة داخل تركيا خاصّة المواقف الدولية إبّان المحاولة الانقلابية الفاشلة في العام 2016 لا تزال ماثلة في الأذهان».
ورأى المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان أن تركيا تتعامل بحذر حتى الآن مع التطورات في إيران، معتبراً أن الموقف التركي له مكاسب ومخاسر وبناءاً على ذلك تسعى تركيا لحساب الأمور بشكل دقيق وانتظار اتضاح سير الأوضاع لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً.
ولفت في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إلى أن تركيا تخشى أن يؤدي أي تطور للنزاع في إيران إلى تأثريره أمنياً واقتصادياً على تركيا، وحصول موجات نزوح نحوها، وأن تتحول إيران إلى سوريا جديدة، على حد تعبيره.
ورأت العديد من وسائل الإعلام والكتاب الأتراك أن تركيا تنظر إلى ما يحدث في إيران من باب التجربة في سوريا، وتولي أهمية كبيرة للحفاظ على الاستقرار في المنطقة ومنع وقوع أزمة كبيرة جديدة على حدودها وذلك بعد سنوات من العمل لمحاولة إطفاء الحريق المشتعل في سوريا.
وعلى الرغم من التضارب الكبير في المصالح التركية والإيرانية والاختلاف في وجهات النظر حول معظم الملفات الكبرى في المنطقة، إلا أن أنقرة وطهران بنتا تحالفاً مبنياً على المصالح السياسية والاقتصادية في المنطقة وهو ما يجعل من أنقرة غير متحمسة لدعم أي تحرك يمكن أن يفتح جبهة جديدة في المنطقة المشتعلة.
ورأى آخرون أن تركيا ربما تكون متحمسة لإسقاط النظام الإيراني ودعم التغيير هناك، لكنها غير مستعدة للمجازفة بدعم أي تحرك يمكن أن يجلب الفوضى دون أن يغير النظام، وهو ما يرجح ميول أنقرة لدعم الاستقرار وبقاء النظام في إيران.

ما هو الموقف التركي من أحداث إيران؟ وهل ستدعم أنقرة الاستقرار أم التصعيد؟

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية